الْعَاشِرُ: أَرَادَ أَنْ يُقَابِلَ مُبَالَغَتَهُمْ فِي الْإِسَاءَةِ بِمُبَالَغَتِهِ فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ.
(قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(64)
«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ بَعَثَهُ مَعَهُمْ وَقَدْ شَاهَدَ مَا شَاهَدَ؟
قُلْنَا: لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ كَبِرُوا وَمَالُوا إِلَى الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ،
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ كَانَ يُشَاهِدُ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بِنْيَامِينَ مِنَ الْحَسَدِ وَالْحِقْدِ مِثْلُ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ،
وَثَالِثُهَا: أَنَّ ضَرُورَةَ الْقَحْطِ أَحْوَجَتْهُ إِلَى ذَلِكَ،
وَرَابِعُهَا: لَعَلَّهُ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ وَضَمِنَ حِفْظَهُ وَإِيصَالَهُ إِلَيْهِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : هَلْ يَدُلُّ قَوْلُهُ: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا) عَلَى أَنَّهُ أَذِنَ فِي ذَهَابِ ابْنِهِ بِنْيَامِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؟
قُلْنَا: الْأَكْثَرُونَ قَالُوا: يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَفِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: التَّقْدِيرُ أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ فِي خُرُوجِهِ مَعَهُمْ لَكَانَ فِي حِفْظِ اللَّه لَا فِي حِفْظِهِمْ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ يُوسُفَ قَالَ: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا) أَيْ لِيُوسُفَ لِأَنَّهُ كَانَ يعلم أنه حي.
(وَقالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ(67)