الساطعة"وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ"40 وهذا من مبادئ رسالته عليه الصلاة والسلام ، لأنه نبيء بالبئر وهو ابن ثماني عشرة سنة ، وأرسل وهو في السجن وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة على أصح الأقوال بدليل هذه الآية ، وقد وصف الأكثر بأنهم لا يعلمون دين اللّه وأوامره ونواهيه لجهلهم الحجج السماوية والأرضية الدالة على الألوهية وعدم استعمالهم ما منحهم اللّه به
من العقل ووقوفهم عند ما ألفوا عليه آباءهم وألفوه ،
ولما فرغ عليه السلام من دعوة الخلق إلى الحق حسبما أمره ربه رجع إلى تعبير رؤياهما فقال"يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما"الساقي فإنه يرجع إلى وظيفته"فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً"إذ تظهر براءته مما عزي إليه من العلم والاشتراك باغتيال الملك"وَأَمَّا الْآخَرُ"الطاهي فيثبت عليه الجرم المعزولة"فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ"لتسببه في اغتيال الملك ومباشرته لها فعلا لعدم امتثال أمر الملك بالأكل وبراءة الأول بالشرب ، وهما دليلان كافيان على براءة الأول وحكم الثاني ، وقال إن هذا سيكون بعد ثلاثة أيام ، وذلك لأن الأول قال ثلاث عناقيد عنب ، والآخر قال ثلاث سلال ، فقال له ما رأينا شيئا فقال لهما"قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ 41"ووجب حكم اللّه تعالى عليكما بما أخبرتكما ، رأيتما أو لم تريا ، وإنه آتيكم لا محالة بعد ثلاث ، ومن هنا قيل البلاء موكل بالمنطق"وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ"تيقن وتحقق"أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي"إذا خرجت من السجن"عِنْدَ رَبِّكَ"سيدك ومولاك لعله يتذكر مظلمتي فيخرجني من السجن ، قالوا وبعد ثلاثة أيام خرج الأول وصلب الثاني ، وهذا حكم عدل من ملك مصر في براءة الساقي ، لأنه لم يقبل الجعل على المؤامرة في حق الملك ولم يباشر عملا.