عادته جل جلاله في أنبيائه وأوليائه وأحبابه في إجابة أدعيتهم عند الضيق كما سيأتي في الآية 110 من هذه السورة"فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ"وثبته بعصمته وأبقاه على عفته وحال بينه وبين المعصية ودواعيها"إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ"لدعاء عباده المتضرعين إليه"الْعَلِيمُ"بأحوال الداعي ونيته وما يصلح له.
وتدل هذه الآية على أن الإنسان لو أتى بكل مكر وحيلة لإزالة ما وقر في صدره من حب وعداوة لعجز ، لأن حصولها ليس باختياره ولو كان لتمكن من
قلب الحب كرها والعداوة صداقة ، وبالعكس ، ولهذا لجأ يوسف عليه السلام إلى ربه ليصرف ما حاك في صدره الشريف ، قال المتنبي:
يراد من القلب نسيانكم وتأبى الطباع على الناقل
ولهذا فإن العاشق كثيرا ما يريد إزالة العشق من قلبه ولكنه يعجز.
واعلم أن أكثر ما يوقع في المعصية الجهل والخطأ ، ولا تقع إلا بتقدير اللّه تعالى وقضائه وهي للمغفرة أقرب ، أما والعياذ باللّه من يوقعها عالما عامدا فقد تؤدي إلى كفره ، لأن العلم والعمد دليلان على الاستحلال واستحلال ما حرم اللّه كفر ، قال بعض النادمين على ما فعلوا:
وما كانت ذنوبي عن عناد ولكن بالشقا حكم القضاء
ومن كان كهذا فباب العفو يشمله ، قال تعالى"ثُمَّ بَدا لَهُمْ"أي العزيز وأهله وأصحابه رأي آخر بعد ذلك الرأي ، إذ أن زليخا قالت لزوجها إن هذا العبد قد فضحني ، فإما أن تأذن لي بالخروج لأعتذر إلى الناس ، وإما أن تحبسه ليقطع هذا الكلام ويقف عند حده ، وذلك بعد ما أيست منه و"مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ"الدالات على براءته وطهارته بما قص اللّه عنه.