فذاك أمر آخر ، فعلم مما مرّ أن ما نقله الواحدي واضرابه من هذه الشبهات الشائنة والشوائب السافلة مصدره القصص والحكايات وكتب أهل الكتاب المحرّفة ، أما الصحيح منها فمبرا من ذلك ، وقد تصلّف بعض القائلين لهذه الأقوال فقال إن ما ذكرناه نقلناه عن الذين أخذوا التأويل ممن شاهدوا التنزيل ، وهو لعمري غير صحيح ، وإنما هو من قال وقيل ، وان بعض المفسرين الذين اغتروا بما وجدوه من تلك الأقوال الواهية المدونة في كتب غير معتبرة ونقلوها كما وجدوها ، ولم ينظروا إلى الأقوال الواردة في تفنيدها ، ولم يلقوا لها بالا ، كما وقع للإمام
السيوطي وبعض علماء الحديث إذ نقلوا أحاديث موضوعة لا أصل لها وأثبتوها في كتبهم بناء على سلامة طويتهم وظنهم أن أحدا لا يختار الكذب على حضرة الرسول كما ظن آدم عليه السلام أن أحدا لا يحلف باللّه كاذبا ، فصدق إبليس في قسمه كما حكى اللّه عنه في قوله (إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ) الآية 21 من الأعراف المارة في ج 1 ، ومن هذا القبيل الإمام البيضاوي رحمه اللّه مع جلالة قدره نقل مائة وأربعة عشر حديثا وأثبتها في أواخر سور القرآن من تفسيره ، مع أنها جلها موضوعة ، ولا يقال لمثله إنه جاهل بمعرفة الأحاديث ، ولكنه نقلها كما رآها عن حسن نية ، تجاوز اللّه عنه وسامحه ، وهو نقلها تبعا للثعلبي ، وكذلك مفتي الثقلين أبو السعود وجار اللّه الزمخشري ذكراها على ما هما عليه من العلم الواسع والفضل العميم ، وهي في الحقيقة من وضع بعض المتعبدين الجملة الذين يزعمون أن في ذلك قربة ، مع أنها فرية عظيمة جرت على ألسنة العوام وتداولوها بينهم حتى الآن ، ويسندونها بأقوالهم لحضرة الرسول وهو منها براء ، راجع بحث الحديث الموضوع في حاشية لقط الدرر على متن نخبة الفكر للإمام ابن حجر رحمه اللّه تجد ملاك هذا البحث بما يقنعك أنها مكذوبة على حضرة الرسول ولا يجوز نقلها ، تدبر.