وهذا إعلام بكمال نزاهته وإظهار عفته ، لأن عدم ميله إليها مع دوام مشاهدته لحسنها وقربه منها مثبت لذلك ، وأن استعصاءه عليها مع كونه تحت يدها يؤذن بأنه في أعلى معارج العفّة ويعلن أنه بأسنى درجات النزاهة ، كيف لا وقد شرفه اللّه بالنبوة وزاده عليها الحكم بين الناس وتعبير الرؤيا ؟ ولما رأت عدم رغبته بما طلبته ناشئ عن أمر قلبي كرهه في تنفيذ طلبها غضبت عليه ، وجرته لداخل الدار"وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ"عليه ، واعلم أن تضعيف الفعل يدل على التكثير ، أي أنه ليس بابا واحدا بل أبواب كثيرة ، قالوا إنها سبعة ، واحد داخل الآخر والتفتت إليه"وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ"تعالى أقبل إلي ، فقد هيئت لك ، وهي لغة حوارن إذ ذاك ، أي هلم أفعل ما آمرك به ، وفيها معنى الحث على الفعل ، وقيل إن هيت بالعبرانية.
بمعنى تعال فعرّبت
إلى هيت لك ، أو أنها في الأصل كلمة عربية وافقت العبرانية كما وافقت لغة العرب لغة الروم في القسطاس ، ولغة العرب لغة الفرس بالتنور ، ولغة العرب لغة الترك في الغسّاق ، ولغة العرب لعة الحبشة في ناشئة الليل من باب توارد اللغات ، وقد مر لك تحقيق هذا وغيره من الكلمات المقول فيها أنها أجنبية مفصلا في الآية 182 من سورة الشعراء في ج 1 ، وقرئ هيئت لك بالهمز ، أي تهيأت ، وهو اسم فعل مبني على الفتح كأين ، وما قيل إنها سريانية أو قبطية أقوال لا مستند لها إلا استعمالها ، وإن استعمالها في اللغات الأخرى لا يدل على أنها منها دلالة قطعية ، لأن اللغات متداخلة بعضها في بعض ، والأحسن أن يقال عربية استعملها الغير كما أوضحناه هناك.