واعلم أن الرؤيا كالرؤية من حيث الرسم ، والمعنى على القول الصحيح ، إلا أن منهم من خص الأولى بالنوم والثانية باليقظة وجعل الفرق بينها ، حرفي التأنيث كالقربى والقربة ، وذكرنا أول سورة الإسراء أن كلا منهما يطلق على الآخر فلا فرق بينهما ، وفيه تعليل نفيس فراجعه ، قال تعالى"وَكَذلِكَ"أي مثل ما اصطفى اللّه غيرك من الأنبياء"يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ"في الدنيا لإرشاد عباده وفي الآخرة لقربه في نعيم الجنان مما رفع منزلتك في هذه الرؤيا ، واجتباء اللّه تعالى للعبد اصطفاؤه له وتخصيصه بفيض إلهي يحصل له منه أنواع المعجزات أو الكرامات بلا سعي منه ، وهذا لا يكون إلا للأنبياء ومن يقاربهم من الصديقين العارفين"وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ"التي يرونها الناس في منامهم بحيث يلقى ما تؤل به في قلبك ، فكان عليه السلام أعلم الناس في تأويل الرؤيا وإنما خصه اللّه تعالى بهذه الزيادة على عيره ممن تقدمه من الأنبياء ، كما خصّ كثيرا من أنبيائه بخصائص متباينة ، فالتي خصّها بهذا لم يعطها لغيره راجع الآية 14 من سورة النمل في ج 1 لأن خلاصه من السجن مقدر على تعبيره رؤيا الملك الآتية كما هو مقدر في سابق علمه"وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ"الدنيوية التي نبشرك بها في الرؤيا"عَلَيْكَ"بنعمته الأخروية فيكمل لك نعمة النبوة ونعمة الملك في الدنيا ونعمة النعيم وتجلي المنعم في الآخرة"وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ"من أهله ونسله يتمها أيضا عليهم"كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ"يعقوب"إِبْراهِيمَ"حيث خلصه