هذه هي الحياة التي يدعى إليها المؤمنون بالله: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} وصدق الله. وصدق رسول الله..
والمؤمنون الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، أمة وحدهم ، العقيدة في الله بينهم هي وشيجة الارتباط والتجمع الوحيدة. وهذه السورة التي تقرر العلاقات الأخيرة بين الجماعة المسلمة ومن عداها ، تحسم في شأن العلاقات التي لا تقوم على هذه الوشيجة. وبخاصة بعد ذلك التخلخل الذي أنشاه التوسع الأفقي الشديد في المجتمع المسلم عقب فتح مكة ، ودخول أفواج كثيرة في الإسلام لم يتم انطباعها بطابعه ؛ وما تزال علاقات القربى عميقة الجذور في حياتها. والآيات التالية تقطع ما بين المؤمنين الذين باعوا تلك البيعة وبين من لم يدخلوا معهم فيها - ولو كانوا أولي قربى - بعد ما اختلفت الوجهتان واختلفت العاقبتان في الدنيا والآخرة:
ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين - ولو كانوا أولي قربى - من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم.
وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ، إن إبراهيم لأواه حليم. وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ، إن الله بكل شيء عليم. إن الله له ملك السماوات والأرض ، يحيي ويميت ، وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير.
والظاهر أن بعض المسلمين كانوا يستغفرون لآبائهم المشركين ويطلبون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستغفر لهم ؛ فنزلت الآيات تقرر أن في هذا الاستغفار بقية من تعلق بقرابات الدم ، في غير صلة بالله ، لذلك ما كان للنبي والذين آمنوا أن يفعلوه.. ما كان لهم قطعاً وليس من شأنهم أصلاً.. أما كيف يتبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ، فالأرجح أن يكون ذلك بموتهم على الشرك ، وانقطاع الرجاء من أن تكون لهم هداية إلى الإيمان.