ولعله من خلال هذا العرض الإجمالي لهذه الحقيقة كذلك يتجلى مدى التهافت والهزيمة التي تسيطر على شراح آيات الله وشريعة الله في هذا الزمان ؛ وهم يحاولون جاهدين أن يحصروا الجهاد الإسلامي في حدود الدفاع الإقليمي عن"أرض الإسلام"! بينما كلمات الله - سبحانه - تعلن في غير مواربة عن الزحف المستمر على من يلون"أرض الإسلام"هذه من الكفار ؛ دون ذكر لأنهم معتدون! فالاعتداء الأساسي متمثل في اعتدائهم على ألوهية الله - سبحانه - بتعبيد أنفسهم وتعبيد العباد لغير الله. وهذا الاعتداء هو الذي يقتضي جهادهم ما استطاع المسلمون الجهاد!
وحسبنا هذه الإشارة في هذا التقديم المجمل للدرس الأخير ، لنواجه نصوصه بالتفصيل.
{إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ، وعدا عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ، ومن أوفى بعهده من الله؟ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ، وذلك هو الفوز العظيم ، التائبون العابدون الحامدون السائحون ، الراكعون الساجدون ، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ، والحافظون لحدود الله ، وبشر المؤمنين} ..
هذا النص الذي تلوته من قبل وسمعته ما لا أستطيع عده من المرات ، في أثناء حفظي للقرآن ، وفي أثناء تلاوته ، وفي أثناء دراسته بعد ذلك في أكثر من ربع قرن من الزمان.. هذا النص - حين واجهته في"الظلال"أحسست أنني أدرك منه ما لم أدركه من قبل في المرات التي لا أملك عدها على مدى ذلك الزمان!
إنه نص رهيب! إنه يكشف عن حقيقة العلاقة التي تربط المؤمنين بالله ؛ وعن حقيقة البيعة التي أعطوها - بإسلامهم - طوال الحياة. فمن بايع هذه البيعة ووفى بها فهو المؤمن الحق الذي ينطبق عليه وصف (المؤمن) وتتمثل فيه حقيقة الإيمان.. وإلا فهي دعوى تحتاج إلى التصديق والتحقيق!