ولما بيّن تعالى أن الله هو الذي يتولاه ، وإنّ الأصنام وعابديها لا يقدرون على الإيذاء والإضرار بين ما هو المنهج القويم والصراط المستقيم في معاملة الناس بقوله تعالى: {خذ العفو} أي: اقبل الميسور من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسّس وذلك مثل قبول الاعتذار ، ويدخل في ذلك ترك التشديد في كل ما يتعلق بالحقوق المالية ، ويدخل فيه أيضاً التخلق مع الناس بالخلق الطيب وترك الغلظة والفظاظة ، قال تعالى: {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} (آل عمران ،)
وقال صلى الله عليه وسلم"يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا"وقال الشاعر:
*خذي العفو مني تستديمي مودّتي ** ولا تنطقي في سورتي حين أغضب*
وقال عكرمة: لما نزلت هذه الآية: قال عليه الصلاة والسلام: يا جبريل ما هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأل ، ثم رجع فقال:"إنّ الله تعالى يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك" {وأمر بالعرف} أي: بالمعروف قال عطاء: بلا إله إلا الله {وأعرض عن الجاهلين} أي: فلا تقابلهم بالسفه ، وذلك مثل قوله تعالى: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} (الفرقان ،)
وذلك سلام المتاركة ، وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية ، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً ولا سخاباً في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح"، وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إن الله بعثني بمكارم الأخلاق وتمام محاسن الأفعال".
قال أبو زيد لما نزل قوله تعالى: {وأعرض عن الجاهلين} قال النبيّ صلى الله عليه وسلم"كيف يا رب والغضب"فنزل {وإما} فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة {ينزغنك من الشيطان نزغ} أي: وسوسة وقوله تعالى: {فاستعذ} أي: فاستنجد {با} جواب الشرط وجواب الأمر محذوف أي: يدفعه عنك.