فإن قيل: قوله تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} وقوله تعالى ثانياً: {يسألونك كأنك حفيّ عنها} فيه تكراراً. أجيب: بأنه لا تكرار ؛ لأنّ السؤال الأوّل عن وقت قيام الساعة ، والثاني عن كنه ثقل الساعة وشدّتها ومهابتها ، فلا يلزم التكرار.
وقيل: ذكر الثاني للتأكيد ولما جاء به من زيادة قوله: {كأنك حفيّ عنها} وعلى هذا تكرار العلماء الحذاق في كتبهم لا يحلون المكرر من فائدة ، ومنهم محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة رحمهما الله تعالى.
فإن قيل: لم أجاب عن الأوّل بقوله: {إنما علمها عند ربي} وعن الثاني بقوله: {إنما علمها عند الله} ؟
أجيب: بأنّ السؤال الأوّل لما كان واقعاً عن وقت قيام الساعة ، والثاني كان واقعاً عن مقدار شدّتها ومهابتها عبر عن الجواب فيه بقوله: علم ذلك عند الله ؛ لأنه أعظم أسمائه مهابة وعظمة ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي: لا يعلمون السبب الذي من أجله أخفيت معرفة علم وقت قيامها المغيب عن الخلق ، وقيل: لا يعلمون أنّ علمها عند الله وإنه استأثر بعلم ذلك حتى لا يسألوا عنه.
وروي أنّ أهل مكة قالوا: يا محمد ألا تخبرنا بالسعر الرخيصة قبل أن يغلو فنشتريه ونربح فيه عند الغلاء ، وبالأرض التي تريد أن تجدب فنرحل عنها إلى ما قد أخصبت ، فأنزل الله تعالى:
لهم {لا أملك لنفسي نفعاً} اجتلاب نفع بأن أربح فيما أشتريه {ولا ضرّاً} أي: ولا أقدر أدفع عن نفسي ضرّاً نزل بها بأن أرتحل إلى الأرض الخصبة أو من الأرض الجدبة {إلا ما شاء الله} من ذلك فيلهمني إياه ويوفقني له.