قلت الواجب الأصل هو أن يكون في الأمة من يعرف الأحكام الفرعية من أدلتها التفصيلية أجمع على ذلك أهل الحق ومقدمة الواجب واجبة فإذا كان للواجب طرق متعددة وجب تحصيل طريق من تلك الطرق من غير تعيين وإذا تعين له طريق واحد وجب ذلك الطريق بخصوصه كما إذا كان الرجل في مخمصة شديدة يخاف منها الهلاك وكان لدفع مخمصته طرق من شراء الطعام والتقاط الفواكه من الصحراء واصطياد ما يتقوت به وجب تحصيل شيء من هذه الطرق لا على التعين فإذا وقع في مكان ليس هناك صيد ولا فواكه وحب عليه بذل المال في شراء الطعام وكذلك كان للسلف طرق في تحصيل هذا الواجب وكان الواجب تحصيل طريق من تلك الطرق لا على التعين ثم انسدت تلك الطرق إلا طريقا واحدا فوجب ذلك الطريق بخصوصه وكان السلف لا يكتبون الحديث ثم صار يومنا هذا كتابة الحديث واجبة لأن رواية الحديث لا سبيل لها اليوم إلا بمعرفة هذه الكتب
وكان السلف لا يشتغلون بالنحو واللغة وكان لسانهم عربيا لا يحتاجون إلى هذه الفنون ثم صار يومنا هذا معرفة اللغة العربية واجبة لبعد العهد عن العرب الأول وشواهد
ما نحن فيه كثيرة جدا وعلى هذا ينبغي أن القياس وجوب التقليد لإمام بعينه فإنه قد يكون واجبا وقد لا يكون واجبا فإذا كان إنسان جاهل في بلاد الهند أو في بلاد ما وراء النهر وليس هناك عالم شافعي ولا مالكي ولا حنبلي ولا كتاب من كتب هذه المذاهب وجب عليه أن يقلد لمذهب أبي حنيفة ويحرم عليه أن يخرج من مذهبه لأنه حينئذ يخلع ربقة الشريعة ويبقى سدى مهملا بخلاف ما إذا كان في الحرمين فإنه متيسر له هناك معرفة جميع المذاهب ولا يكفيه أن يأخذ بالظن من غير ثقة ولا أن يأخذ من ألسنة العوام ولا أن يأخذ من كتاب غير مشهور كما ذكر كل ذلك في النهر الفائق شرح كنز الدقائق