ومرة أخرى يأتي الحق بالأشياء المنظورة فقط فيقول: {الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور} [الأنعام: 1] .
إنه سبحانه يأتي هنا بأشياء تختص بالمادة المنظورة ، كالسماوات والأرض ، والظلمات والنور ، وهي أشياء يمكنك أن تراها بوضوح ، ومرة يأتي الحق بأشياء غير منظورة مع الأشياء المنظورة كقوله الحق: {الحمد للَّهِ فَاطِرِ السماوات والأرض جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً أولي أَجْنِحَةٍ مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} [فاطر: 1] .
ويأتي بالمجموع كله في فاتحة الكتاب ، ويأتي بالمنهج فقط كما في سورة الكهف ، ويأتي بالكون المادي كما في سورة الأنعام ، ويأتي بالكون المادي والمعنوي كما في سورة فاطر .
إذن فالحمد مُسْتَحَقٌّ مستحق ، ويُوجه الله حتى ولو كانت أسبابه الظاهرة من غير الله ؛ لأن كل أسباب الدنيا والكون تنصرف أخيراً إلى الله . وهنا - في سورة الأنعام - خص الحق الحمد لله خالق السماوات والأرض بما فيهما من كائنات ، وأتى من بعد ذلك بالظلمات والنور . والخلق كما نعلم إيجاد من عدم . والجعل يأتي لشيء مخلوق ويوجه إلى الغاية منه . ولذلك قال الحق: {وَجَعَلَ الظلمات والنور} والظلمة أمر عدمي ، والنور أمر إيجابي ، والنور يبدد الظلمة .
إذن فالأصل هو وجود الظلمة التي تختلف في ألوانها ، مثال ذلك: ظلمة الكهف ، وظلمة البحر ، وظلمة البر ، ولذلك قال الحق سبحانه: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40] .