وهاتان الآيتان طلب من المؤمنين لإيضاح ما خفي عليهم من أمور الشريعة وهما لا تختلفان عن أسلوب (يسئلونك) ولكنهما هنا عن أمور اقرب إلى الفقه منها إلى أحكام شرعية عامة.
وتبقى آية واحدة يمكن الحاقها بهذا الصنف من الآيات وهي قوله تعالى: (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) . وفي هذه الآية المباركة (حكاية من أفانين تكذيبهم، فمرة يتظاهرون باستبطاء الوعد استخفافا به ومرة يقبلون على الرسول في صورة المستفهم الطالب فيسألونه أهذا العذاب الخالد أي عذاب الآخرة حق)
وقد جاء الاستفهام لطلب الإنباء منه عليه الصلاة والسلام عن البعث والنشور لانهم كانوا شاكين في ذلك جملةً وتفصيلاً، ولما كان هؤلاء المشركون بهذا المستوى فقد جاء الجواب محملاً بأنواع المؤكدات وأولها قوله (أي) وثانيها القسم (وربي) ، وثالثهما (إنّ) ورابعها (اللام) وخامسها النفي بـ (ما) وسادسها مجيء حرف الجر الزائد في قوله (بمعجزين) . ولعل هذا الحشد من المؤكدات انسب ما يكون لهذا الجواب لان اقتناع هؤلاء بالبعث والحياة الآخرة هو الباب إلى إثبات وحدانية الله تبارك وتعالى والتي تمتلء جوانب القرآن الكريم في الدلالة عليها.
الفصل الثاني
جواب السؤال المقدر
لقد بحث البلاغيون السؤال المقدر في موضع (الفصل والوصل) ،وأطلقوا على جواب هذا السؤال اسم الاستئناف، وقد ترتب على ذلك أن يجد الباحث في هذا الموضوع مصاعب ليست باليسيرة لان هذا الموضوع اعني (الفصل والوصل) من الموضوعات الدقيقة في علم المعاني.
ولعل ذلك مما دفع الشيخ عبد القاهر الجرجاني إلى أن يقول عنه: (( واعلم انه ما من علم من علوم البلاغة أنت تقول انه فيه خفي غامض، ودقيق صعب، إلاّ وعلم هذا الباب اغمض، وأخفى، وأدق، واصعب ) ). وقد يكون هذا الأمر هو الذي دفع الكثيرين إلى أن يقصروا البلاغة على معرفة الفصل والوصل. .