فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ
وبهذه الأجوبةِ يُستغنى عن قولِ من قال:"إنَّ"يَسْتَطِيع"زائدةٌ"، والمعنى: هل يُنَزِّلُ رَبُّكَ ؛ لأنَّه لا يُزادُ من الأفعال إلاَّ ["كَانَ"بشرطَيْنِ ، وشَذَّ زيادةُ غيرها في مواضعَ عَدَدْتُها في غيرِ هذا الكتاب ، على أنَّ الكوفيِّين يُجيزُون زيادةَ بعض الأفعال] مطلقاً ، حَكَوْا:"قَعَدَ فلانٌ يَتَهَكَّمُ بِي"؛ وأنشدوا: [الوافر]
2087 - عَلَى مَا قَامَ يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ...
كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغ فِي رَمَادِ
وحكى البصريُّون على وجْه الشُّذُوذِ:"مَا أصْبَحَ أبْرَدَهَا ، ومَا أمْسَى أدْفَأهَا"يعنون الدُّنْيَا.
قال ابنُ الخطيبِ: وأمَّا القراءَةُ الثَّانِيَةُ ففيها إشْكَالٌ ، وهو أنَّهُ تعالى حَكَى عنهُم أنَّهم قالُوا:"آمنَّا واشهدْ بأنَّا مُسْلمُون"، وبعد الإيمانِ كَيْفَ يَجُوزُ أن يقال: إنهم بقوا شاكِّين في اقتدار اللَّهِ على ذلك؟.
والجوابُ عنه من وُجُوهٍ:
الأول: أنَّهُ - تبارك وتعالى - ما وَصَفَهُم بالإيمان والإسلام بل حَكَى عنهم ادِّعَاءَهم لَهُمَا ، ثمَّ تَبعَ ذلك بقوله - حِكَايةً عَنْهُم - {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء} ؟ فدلَّ ذلك على أنَّهُم كَانُوا شاكِّين مُتَوقِّفِين ، فإنَّ هذا اللَّفْظَ لا يَصْدُر مِمَّنْ كان كَامِلاً في الإيمان.
وقالوا: {وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا} [المائدة: 113] ، وهذا يَدُلُّ على مَرَضٍ في القَلْب ، وكذا قَوْلُ عيسى - عليه الصلاة والسلام - لهم: {اتقوا الله إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} ، يَدُلُّ على أنَّهُم ما كانوا كامِلِين في الإيمان.
الثاني: أنَّهُم كانوا مُؤمِنين إلاَّ أنَّهُم طَلَبُوا هذه الآية لِيحْصُلَ لهم مَزِيد الطمأنينة ، فلهذا السَّبِب قالوا:"وتَطْمئنَّ قُلُوبنا".