(الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ) : قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) (59: 2) وَقَدْ نَقَلَ عَنِ الْمَحْصُولِ لِلْإِمَامِ الرَّازِيِّ رَدَّ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْقِيَاسِ الْفِقْهِيِّ مِنْ وُجُوهٍ ، وَبَحَثَ فِيمَا اخْتَارَهُ مِنْ كَوْنِ الِاعْتِبَارِ حَقِيقَةً فِي الْمُجَاوَزَةِ ، وَوَافَقَهُ عَلَى كَوْنِ الْآيَةِ غَيْرَ حُجَّةٍ لِلْقِيَاسِيِّينِ فَقَالَ:"وَالْحَاصِلُ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ لَا بِمُطَابَقَةٍ وَلَا تُضَمُّنٍ وَلَا الْتِزَامٍ ، وَمَنْ أَطَالَ الْكَلَامَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَا فَقَدْ شَغَلَ الْحَيِّزَ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ".
(الدَّلِيلُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ) : قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) (5: 95)
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (2: 144) وَهَذَانِ مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي رِسَالَتِهِ .
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ غَايَةَ مَا فِي آيَةِ الْجَزَاءِ هِيَ الْمَجِيءُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الصَّيْدِ وَكَوْنِهِ مَثَلًا لَهُ مَوْكُولٌ إِلَى الْعَدْلَيْنِ وَمُفَوَّضٌ إِلَى اجْتِهَادِهِمَا ، وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ إِلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ لِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ . وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْقِبْلَةِ ، فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا إِيجَابُ تَحَرِّي الصَّوَابِ فِي أَمْرِهَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْقِيَاسِ فِي شَيْءٍ .