أَقُولُ: إِنَّنَا لَمْ نَجِدْ فِي الْكِتَابِ إِلَّا فَصَلَيْنِ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي وَعَدَ بِهَا ، الْأَوَّلُ فِي شُمُولِ النُّصُوصِ وَإِغْنَائِهَا عَلَى الْقِيَاسِ ، وَالثَّانِي فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ كُلِّهَا عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ وَالْمِيزَانِ الْمُسْتَقِيمِ وَالْمُوَافِقَةِ لِعُقُولِ الْبَشَرِ وَمَصَالِحِهِمْ ، وَلَا نَدْرِي أَسَقَطَ الْفَصْلُ الَّذِي بَيَّنَ فِيهِ سُقُوطَ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ ؟ أَمْ أَغْفَلَ كِتَابَتَهُ بَعْدَ الْوَعْدِ بِهِ نِسْيَانًا لِلْوَعْدِ وَاكْتِفَاءً بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ ، وَكَوْنِ مَنْ يُعْتَدُّ بِدِينِهِ وَعِلْمِهِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ كَرَبِيعَةَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ لَمْ يُثْبِتُوا حُكْمًا فِي مَسْأَلَةٍ فِيهَا نَصٌّ بِالْقِيَاسِ إِلَّا إِذَا كَانُوا غَيْرَ عَالِمِينَ بِالنَّصِّ أَوْ غَيْرَ ثَابِتٍ عِنْدَهُمْ ، أَوْ لَمْ يَفْهَمُوا الْحُكْمَ مِنْهُ .
(شُمُولُ النُّصُوصِ لِلْأَحْكَامِ وَتَفَاوُتُ الْأَفْهَامِ فِيهَا) .
وَقَدْ صُدِّرَ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ بِمُقَدِّمَةٍ نَفِيسَةٍ فِي نَوْعَيِ الدَّلَالَةِ وَتَفَاوُتِ الْأَفْهَامِ فِي النُّصُوصِ فَقَالَ: