ثُمَّ عَقَدَ فَصَلَيْنِ فِي ذَمِّ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لِلْقِيَاسِ وَإِبْطَالِهِمْ لَهُ ، وَفَصْلًا فِي تَعَارُضِ الْأَقْيِسَةِ وَتَنَاقُضِهَا ، وَفَصْلًا آخَرَ فِي فَسَادِ الْقِيَاسِ وَبُطْلَانِهِ وَتَنَاقُضِ أَهْلِهِ فِيهِ وَاضْطِرَابِهِمْ تَأْصِيلًا وَتَفْصِيلًا ، وَذَكَرَ أَنْوَاعَ الْقِيَاسِ الْأَرْبَعَةَ عِنْدَ غُلَاتِهِمْ كَفُقَهَاءِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَهِيَ قِيَاسُ الْعِلَّةِ وَالدَّلَالَةِ وَالشُّبْهَةِ وَالطَّرْدِ ، وَذَكَرَ أَمْثِلَةً كَثِيرَةً مِنْ أَقْيِسَتِهِمُ الْفَاسِدَةِ وَاضْطِرَابِهِمْ فِي التَّأْصِيلِ وَالتَّفْصِيلِ ، وَهَذَا الْفَصْلُ مِنْ أَجَلِّ الْفُصُولِ وَأَطْوَلِهَا ، وَفِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَقْيِسَةِ الَّتِي جَمَعُوا
فِيهَا بَيْنَ مَا فَرَّقَتِ النُّصُوصُ أَوِ الْمِيزَانُ الْمُسْتَقِيمُ ، وَفَرَّقُوا فِيهَا بَيْنَ مَا جَمَعَتْ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ بِالدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ وَتَبِعَهُ عِدَّةُ فُصُولٍ تَفَرَّعَتْ مِنْهُ .
(الْحُكْمُ بَيْنَ مُثْبِتِي الْقِيَاسِ وَمُنْكِرِيهِ) .
بَعْدَ أَنْ أَطَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي بَسْطِ أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ تَصَدَّى لِبَيَانِ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا بِإِثْبَاتِ الْقِيَاسِ الْمُوَافِقِ لِلنُّصُوصِ وَإِبْطَالِ الْقِيَاسِ الِاصْطِلَاحِيِّ ، وَمَهَّدَ لِذَلِكَ تَمْهِيدًا مُفِيدًا بَيَّنَ فِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَرْعٌ لِمَسْأَلَةِ الْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ وَالْأَسْبَابِ ، وَقَدِ انْقَسَمَ النَّاسُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى غُلَاةٍ فِي النَّفْيِ وَغُلَاةٍ فِي الْإِثْبَاتِ وَمُعْتَدِلِينَ فِيهِ قَالَ: