التاسعة ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخمر لا يجوز تخليلها لأحد ، ولو جاز تخليلها ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع الرجل أن يفتح المزادة حتى يذهب ما فيها ؛ لأن الخلّ مال وقد نهى عن إضاعة المال ، ولا يقول أحد فيمن أراق خمراً على مسلم أنه أتلف له مالاً.
وقد أراق عثمان بن أبي العاص خمراً ليتيم ، واستؤذن صلى الله عليه وسلم في تخليلها فقال:"لا"ونهى عن ذلك.
ذهب إلى هذا طائفة من العلماء من أهل الحديث والرأي ، وإليه مال سُحْنُون بن سعيد.
وقال آخرون: لا بأس بتخليل الخمر ولا بأس بأكل ما تخلل منها بمعالجة آدمي أو غيرها ؛ وهو قول الثوريّ والأُوزاعيّ والليث بن سعد والكوفيين.
وقال أبو حنيفة: إن طرح فيها المِسك والملح فصارت مُرَبَّى وتحوّلت عن حال الخمر جاز.
وخالفه محمد بن الحسن في المربَّى وقال: لا تُعالجَ الخمر بغير تحويلها إلى الخلّ وحده.
قال أبو عمر: احتج العراقيون في تخليل الخمر بأبي الدرداء ؛ وهو يُروى عن أبي إدريس الخولانيّ عن أبي الدرداء من وجه ليس بالقويّ أنه كان يأكل المربَّى منه ، ويقول: دبغته الشمس والملح.
وخالفه عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص في تخليل الخمر ؛ وليس في رأي أحد حجة مع السنة.
وبالله التوفيق.
وقد يحتمل أن يكون المنع من تخليلها كان في بدء الإسلام عند نزول تحريمها ؛ لئلا يستدام حبسها لقرب العهد بشربها ، إرادة لقطع العادة في ذلك.
وإذا كان كذلك لم يكن في النهي عن تخليلها حينئذٍ ، والأمر بإراقتها ما يمنع من أكلها إذا خُلّلت.
وروى أشهب عن مالك قال: إذا خلّل النصرانيّ خمراً فلا بأس بأكله ، وكذلك إن خَلّلها مسلم واستغفر الله ؛ وهذه الرواية ذكرها ابن عبد الحكَم في كتابه.
والصحيح ما قاله مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب أنه لا يحل لمسلم أن يعالج الخمر حتى يجعلها خَلاًّ ولا يبيعها ، ولكن ليُهرِيقها.