ولا خلاف بين علماء المسلمين أن سورة"المائدة"نزلت بتحريم الخمر ، وهي مدنية من آخر ما نزل ، وورد التحريم في الميتة والدم ولحم الخنزير في قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ} [الأنعام: 145] وغيرها من الآي خبراً ، وفي الخمر نَهْيا وزَجْراً ، وهو أقوى التحريم وأوكده.
روى ابن عباس قال: لما نزل تحريم الخمر ، مشى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض ، وقالوا حُرِّمت الخمر ، وجعلت عدلاً للشِّرك ؛ يعني أنه قرنها بالذبح للأنصاب وذلك شِرْكٌ.
ثم علق {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فعلق الفلاح بالأمر ، وذلك يدل على تأكيد الوجوب.
والله أعلم.
السادسة فَهِمَ الجمهورُ من تحريم الخمر ، واستخباث الشرع لها ، وإطلاق الرِّجس عليها ، والأمر باجتنابها ، الحكم بنجاستها.
وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن سعد والمُزَنيّ صاحب الشافعي ، وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة ، وأن المحرم إنما هو شربها.
وقد استدل سعيد بن الحداد القرويّ على طهارتها بسفكها في طرق المدينة ؛ قال: ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم ، ولنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه كما نهى عن التخلي في الطرق.
والجواب ؛ أن الصحابة فعلت ذلك ؛ لأنه لم يكن لهم سُرُوب ولا آبار يريقونها فيها ، إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كُنُف في بيوتهم.
وقالت عائشة رضي الله عنها إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكُنُف في البيوت ، ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة ، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور.
وأيضاً فإنه يمكن التحرز منها ؛ فإن طرق المدينة كانت واسعة ، ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهراً يعم الطريق كلها ، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرّز عنها هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طُرق المدينة ، ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها ، وأنه لا ينتفع بها ، وتتابع الناس وتوافقوا على ذلك.