وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى عِنْدِي بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ، أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: {فَكَفَّارَتُهُ} عَائِدَةٌ عَلَى «مَا» الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} لِمَا قَدَّمْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ، أَنَّ مَنْ لَزِمَتْهُ فِي يَمِينِهِ كَفَّارَةٌ وَأُخِذَ بِهَا، غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ قَدْ أُوخِذَ: لَا يُؤَاخِذُهُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} دَلِيلٌ وَاضِحٌ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُؤَاخَذًا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ مَنْ أَخْبَرَنَا تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ.
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ إِنَّمَا عَنَى تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} بِالْعُقُوَبَةِ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ إِذَا حَنَثْتُمْ وَكَفَّرْتُمْ، لَا أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُهُمُ بِهَا فِي الدُّنْيَا بِتَكْفِيرٍ فَإِنَّ إِخْبَارَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَأَمْرَهُ وَنَهْيَهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى الظَّاهِرِ الْعَامِّ عِنْدَنَا بِمَا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، دُونَ الْبَاطِنِ الْعَامِّ الَّذِي لَا دَلَالَةَ عَلَى خُصُوصِهِ فِي عَقْلٍ وَلَا خَبَرٍ، وَلَا دَلَالَةَ مِنْ عَقْلٍ وَلَا خَبَرٍ أَنَّهُ عَنَى تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} بَعْضَ مَعَانِي الْمَؤَاخَذَةِ دُونَ جَمِيعِهَا.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ مَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ فِي يَمِينٍ حَنِثَ فِيهَا مَؤَاخَذًا بِهَا بِعُقُوبَةٍ فِي مَالِهِ عَاجِلَةٍ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ غَيْرُ الَّذِي أَخْبَرَنَا تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُهُ بِهَا.