يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا سَمِعَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى الَّذِينَ وَصَفْتُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ صِفَتَهُمْ أَنَّكَ تَجِدُهُمْ أَقْرَبَ النَّاسِ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا، مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ يُتْلَى {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} ، وَفَيْضُ الْعَيْنِ مِنَ الدَّمْعِ: امْتِلَاؤُهَا مِنْهُ ثُمَّ سَيَلَانُهُ مِنْهَا كَفَيْضِ النَّهَرِ مِنَ الْمَاءِ، وَفَيْضِ الْإِنَاءِ، وَذَلِكَ سَيَلَانُهُ عَنْ شِدَّةِ امْتِلَائِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى:
[البحر المتقارب]
فَفَاضَتْ دُمُوعِي فَطَلُّ الشَّؤُو ... نِ إِمَّا وَكِيفًا وَإِمَّا انْحِدَارَا
وَقَوْلُهُ: {مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ}
يَقُولُ: فَيْضُ دُمُوعِهُمْ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأَنَّ الَّذِي يُتْلَى عَلَيْهِمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ حَقٌّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {يَقُولُونَ} ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ بِلَفْظِ اسْمٍ كَانَ نَصْبًا عَلَى الْحَالِ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ قَائِلِينَ: رَبَّنَا آمَنَّا. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا} أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا صَدَّقْنَا لَمَّا سَمِعْنَا مَا أَنْزَلْتَهُ إِلَى نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كِتَابِكَ، وَأَقْرَرْنَا بِهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِكَ، وَأَنَّهُ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي تَأْوِيلِهِ قَالَ: «أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} ، قَالَ: «مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتِهِ، أَنَّهُمْ شَهِدُوا أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَشَهِدُوا أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ»