قوله"في جَمْعِ لَيْلَةٍ ، وجمعِ أرضٍ"أرادَ بالجمعِ اللغويَّ ؛ لأنَّ اسمَ الجمع جمعٌ في المعنى ، ولا يريد أنه جمعُ"لَيْلَة"و"أرْض"صناعةً ؛ لأنه قد فَرَضَه أنه اسمُ جمعٍ ، فكيف يجعلُه جمعاً اصطلاحاً؟.
وكان قياسُ قراءةِ جعفرٍ تحريكَ الياءِ بالفتحة ؛ لخفَّتها ، ولكنه شَبَّه الياء بالألف ، فقدَّر فيها الحركةَ ، وهو كثيرٌ في النظْمِ ؛ كقول النابغة: [البسيط]
2048 - رَدَّتْ عَلَيْهِ أقَاصِيهِ وَلَبَّدَهُ...
ضَرْبُ الوَلِيدَةِ بِالْمِسْحَاةِ في الثَّأدِ
وقول الآخر: [الرجز]
2049 - كَأنَّ أيْديهِنَّ بِالْقَاعِ القَرِقْ...
أيْدِي جَوَارٍ يَتَعَاطَيْنَ الوَرِقْ
وقد مضى ذلك.
قوله تعالى:"أوْ كِسْوَتُهُمْ"فيه وجهان:
أحدهما: أنه نَسَقٌ على"إطْعَام"، أي: فكفارتُه إطعامُ عشرةٍ أو كسْوَة تلك العشرة.
والثاني: أنه عطفٌ على محلِّ"مِنْ أوْسَط" [وهو أن يكون"مِنْ أوسط"خبراً لمبتدأ محذوفٍ يدُلُّ عليه ما قبله ، تقديرُه: طعامُهُمْ مِنْ أوْسَط] ، فالكلامُ عنده تامٌّ على قوله"عَشرةِ مساكِينَ"، ثم ابتدأ إخباراً آخر بأن الطعام يكونُ من أوسط كذا وأمَّا إذا قلنا: إنَّ"مِنْ أوْسَطِ"هو المفعولُ الثاني ، فيستحيل عطف"كِسْوَتُهُمْ"عليه ؛ لتخالفهما إعراباً.
وقرأ الجمهور:"كِسْوتُهُمْ"بكسر الكاف.
وقرأ إبراهيمُ النخعيُّ وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ وسعيدُ بنُ المُسَيِّب بضمِّها ، وقد تقدَّم في البقرة [الآية 233] أنهما لغتان في المصدر ، وفي الشيء المَكْسُوِّ ، قال الزمخشريُّ:"كالقِدْوَة في القُدْوَة ، والإسْوَة في الأسْوَة"إلا أن الذي قرأ في البقرة بضَمِّها هو طلحة فلم يذكُرُوه هنا ، ولا ذكَرُوا هؤلاء هناك.