إماما حتى يعترف ابتداء بسلطان الله وبتحكيم شريعته، فالذي لا يحكّم شريعة الله لا يقال له «إمام» إنما يقول الله عنه سبحانه وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ. فأما المجتمعات الجاهلية التي لا تتحاكم إلى شريعة الله، فالمنكر الأكبر فيها والأهمّ، هو المنكر الكبير الأساسي الجذري، هو الذي يجب أن يتجه إليه الإنكار، قبل الدّخول في المنكرات الجزئية، التي هي تبع لهذا المنكر الأكبر، وفرع عنه وعرض له. إنه لا جدوى من ضياع الجهد جهد الخيرين الصالحين من الناس .. في مقاومة المنكرات الجزئية، الناشئة بطبيعتها من المنكر الأول، منكر الجرأة على الله وادّعاء خصائص الألوهية، ورفض ألوهية الله يرفض شريعته للحياة، لا جدوى من ضياع الجهد في مقاومة منكرات هي مقتضيات ذلك
المنكر الأول وثمراته النكدة بلا جدال.
على أنّه إلام نحاكم الناس في أمر ما يرتكبونه من منكرات؟ بأي ميزان نزن أعمالهم لنقول لهم: إن هذا منكر فاجتنبوه؟ أنت تقول: إن هذا منكر فيطلع عليك عشرة من هنا ومن هناك يقولون: لك كلا! ليس هذا منكرا لقد كان منكرا في الزمان الخالي، والدنيا تتطور، والمجتمع يتقدم، وتختلف الاعتبارات.
فلا بد إذن من ميزان ثابت نرجع إليه بالأعمال، ولا بد من قيم معترف بها، نقيس إليها المعروف والمنكر، فمن أين نستمد هذه القيم؟ ومن أين نأتي بهذا الميزان؟
من تقديرات الناس وعرفهم وأهوائهم - وهي متقلبة لا تثبت على حال؟ إننا ننتهي إذن إلى متاهة لا دليل فيها، وإلى خضم لا معالم فيه!
فلا بد ابتداء من إقامة الميزان .. ولا بد أن يكون هذا الميزان ثابتا لا يتأرجح مع الأهواء .. هذا الميزان الثابت هو ميزان الله .. فماذا إذا كان المجتمع لا يعترف - ابتداء - بسلطان الله؟ ماذا إذا كان لا يتحاكم إلى شريعة الله؟ بل ماذا إذا كان يسخر ويهزأ وينكّل بمن يدعوه إلى منهج الله؟
ألا يكون جهدا ضائعا، وعبثا هازلا، أن تقوم في مثل هذا المجتمع لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، في جزئيات وجانبيات من شئون الحياة، تختلف عليها الموازين والقيم، وتتعارض فيها الآراء والأهواء؟!