ثم هم لا يكتفون بهذا الفيض من الدمع ولا يقفون موقفا سلبيا من الحق الذي تأثروا به هذا التأثر عند سماع القرآن والشعور بالحق الذي يحمله والإحساس بما له من سلطان .. إنهم لا يقفون موقف المتأثر الذي تفيض عيناه بالدمع ثم ينتهي أمره مع هذا الحق! إنما هم يتقدمون ليتخذوا من هذا الحق موقفا إيجابيا صريحا ..
موقف القبول لهذا الحق، والإيمان به، والإذعان لسلطانه، وإعلان هذا الإيمان وهذا الإذعان في لهجة قوية عميقة صريحة:
«يَقُولُونَ: رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ، وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ؟» ..
إنهم أولاً يعلنون لربهم إيمانهم بهذا الحق الذي عرفوه. ثم يدعونه - سبحانه - أن يضمهم إلى قائمة الشاهدين لهذا الحق وأن يسلكهم في سلك الأمة القائمة عليه في الأرض .. الأمة المسلمة، التي تشهد لهذا الدين بأنه الحق، وتؤدي هذه الشهادة بلسانها وبعملها وبحركتها لإقرار هذا الحق في حياة البشر .. فهؤلاء الشاهدون الجدد ينضمون إلى هذه الأمة المسلمة ويشهدون ربهم على إيمانهم بالحق الذي تتبعه هذه الأمة ويدعونه - سبحانه - أن يكتبهم في سجلها ..
ثم هم بعد ذلك يستنكرون على أنفسهم أن يعوقهم معوق عن الإيمان بالله أو أن يسمعوا هذا الحق ثم لا يؤمنوا به، ولا يأملوا - بهذا الإيمان - أن يقبلهم ربهم، ويرفع مقامهم عنده، فيدخلهم مع القوم الصالحين:
«وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ، وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ؟» ..
فهو موقف صريح قاطع تجاه ما أنزل الله إلى رسوله من الحق .. موقف الاستماع والمعرفة، ثم التأثر الغامر والإيمان الجاهر، ثم الإسلام والانضمام إلى الأمة المسلمة، مع دعاء الله - سبحانه - أن يجعلهم من الشاهدين لهذا الحق الذين يؤدون شهادتهم سلوكاً وعملاً وجهاداً لإقراره في الأرض، والتمكين له في حياة الناس.
ثم وضوح الطريق في تقديرهم وتوحده بحيث لا يعودون يرون أنه يجوز لهم أن يمضوا إلا في طريق واحد:
هو طريق الإيمان بالله، وبالحق الذي أنزله على رسوله، والأمل - بعد ذلك - في القبول عنده والرضوان.
ولا يقف السياق القرآني هنا عند بيان من هم الذين يعنيهم بأنهم أقرب مودة للذين آمنوا من الذين قالوا: