فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا كَانَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى مِنْ عَدَاءٍ فَإِنَّمَا سَبَبُهُ بُعْدُ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ أَوْ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ هِدَايَةِ دِينِهِ ، أَوْ جَهَالَةٍ وَسُوءِ فَهْمٍ وَقَعَ بَيْنَهُمَا ، وَأَمْرُ الْمُتَأَخِّرِ مِنْ دُوَلِهِمَا ظَاهِرٌ ، وَلَا يَنْسُبُهُ إِلَى طَبِيعَةِ دِينِهِمَا إِلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُكَابِرٌ ، فَالدَّوْلَةُ الْعُثْمَانِيَّةُ كَانَتْ قَدْ فَتَحَتْ كَثِيرًا مِنْ بِلَادِهِمْ بِالْقُوَّةِ الْقَاهِرَةِ ، فَلَمَّا دَالَتْ لَهُمُ الْقُوَّةُ تَأَثَّرُوا لِأَنْفُسِهِمْ ، فَإِنْ كَانَ السَّاسَةُ الْبَلْقَانِيُّونَ قَدْ هَاجُوا شُعُوبَهُمْ عَلَى قِتَالِهَا بِاسْمِ الصَّلِيبِ وَالْمَسِيحِ ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ كَذَّبَ اللهُ تَعَالَى دَعْوَاهُمُ الْمَسِيحِيَّةَ بِإِيقَادِهِمْ نَارَ الْقِتَالِ بَيْنَهُمْ ، فَمَا زَالَ أَئِمَّةُ السِّيَاسَةِ الْمُضِلُّونَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ يَتَّخِذُونَ الدِّينَ أُخْدُوعَةً يَخْدَعُونَ بِهَا الْعَامَّةَ لِتَأْيِيدِ سِيَاسَتِهِمْ ، حَتَّى فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الدِّينِ وَأَهْلِهِ .
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْيَهُودِيَّةَ أَقْرَبُ إِلَى الْإِسْلَامِ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ لِأَنَّهَا دِيَانَةُ تَوْحِيدٍ ، وَالنَّصْرَانِيَّةُ دِيَانَةُ تَثْلِيثٍ ، وَالتَّوْحِيدُ هُوَ أَسَاسُ دِينِ اللهِ عَلَى أَلْسِنَةِ جَمِيعِ رُسُلِهِ ، وَهُوَ مُنْتَهَى الْكَمَالِ فِي الْعَقَائِدِ وَلِذَلِكَ يَغْفِرُ اللهُ كُلَّ ذَنْبٍ إِلَّا الشِّرْكَ .