فَتِلْكَ كَانَتْ صِفَاتِ الْفَرِيقَيْنِ الْغَالِبَةَ لَا أَخْلَاقَ أَفْرَادِ الْأُمَّتَيْنِ كَافَّةً ، فَفِي كُلِّ قَوْمٍ خَبِيثُونَ وَطَيِّبُونَ (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (7: 159) وَلَكِنَّ شَرِيعَةَ الْيَهُودِ نَفْسَهَا تُرَبِّي فِي نُفُوسِهِمُ الْأَثَرَةَ الْجِنْسِيَّةَ ، لِأَنَّهَا خَاصَّةٌ بِشَعْبِ إِسْرَائِيلَ ، وَكُلُّ أَحْكَامِهَا وَنُصُوصِهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ:
وَحِكْمَةُ ذَلِكَ: الْمُرَادُ مِنْهَا تَرْبِيَةُ أَمَةٍ مُوَحِّدَةٍ بَيْنَ أُمَمِ الْوَثَنِيَّةِ الْكَثِيرَةِ بَعْدَ إِنْقَاذِهَا مِنَ اسْتِعْبَادِ أَشَدِّ الْوَثَنِيِّينَ بَطْشًا ، وَأَضَرِّهُمْ بِالِاسْتِبْدَادِ وَهِيَ أُمَّةُ الْفَرَاعِنَةِ وَلَوْ أَذِنَ اللهُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ إِنْجَائِهِمْ مِنْ مِصْرَ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ أَنْ يُخَالِطُوا الْأُمَمَ الَّتِي كَانَتْ
فِيهَا ، وَجَعَلَ شَرِيعَتَهُمْ عَامَّةً مَبْنِيَّةً عَلَى قَوَاعِدِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ كَالشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ لَغَلَبَتْ تَعَالِيمَ أُولَئِكَ الْوَثَنِيِّينَ ، وَشُرُورِهِمْ عَلَى الْإِسْرَائِيلِيِّينَ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ مَعَ اسْتِعْدَادِهِمُ الْوِرَاثِيِّ لِقَبُولِ تَقَالِيدِ غَيْرِهِمْ وَالْخُضُوعِ لَهُمْ ، وَلِذَلِكَ أُمِرُوا بِأَلَّا يُبْقُوا فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ نَسْمَةً مَا مِمَّنْ كَانَ فِيهَا قَبْلَهُمْ ، وَكَانَ
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يُحَذِّرُهُمْ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ مِنْ مَفَاسِدَ الْوَثَنِيِّينَ بَعْدَهُ .