وقد فهم بعضهم كون المراد تبليغ الأحكام وما يتعلق بها من المصالح دون ما يشمل علم الأسرار من قوله سبحانه: {مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ} دون ما تعرفنا به إليك ، وذكر أن علم الأسرار لم يكن منزلاً بالوحي بل بطريق الإلهام والمكاشفة ، وقيل: يفهم ذلك من لفظ الرسالة ، فإن الرسالة ما يرسل إلى الغير ، وقد أطال بعض الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم الكلام في هذا المقام ، والتحقيق عندي أن جميع ما عند النبي صلى الله عليه وسلم من الأسرار الإلهية وغيرها من الأحكام الشرعية قد اشتمل عليه القرآن المنزل فقد قال سبحانه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَانًا لّكُلّ شَيْء} [النحل: 89] وقال تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَيْء} [الأنعام: 38] ، وقال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الترمذي وغيره:"ستكون فتن ، قيل: وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله تعالى فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما فيكم"، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: أنزل في هذا القرآن كل علم وبين لنا فيه كل شيء ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن ، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: جميع ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن ، ويؤيد ذلك ما رواه الطبراني في"الأوسط"من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: