"بعثني الله تعالى بالرسالة فضقت بها ذرعاً ، فأوحى الله تعالى إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت"وقيل: إن المراد إن تركت تبليغ ما أنزل إليك حكم عليك بأنك لم تبلغ أصلاً ، وقيل وليته ما قيل المراد بما أنزل القرآن ، وبما في الجواب بقية المعجزات ، وقيل: غير ذلك واستدل بالآية على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكتم شيئاً من الوحي ، ونسب إلى الشيعة أنهم يزعمون أنه عليه الصلاة والسلام كتم البعض تقية.
وعن بعض الصوفية أن المراد تبليغ ما يتعلق به مصالح العباد من الأحكام ، وقصد بإنزاله اطلاعهم عليه ، وأمّا ما خص به من الغيب ولم يتعلق به مصالح أمته فله بل عليه كتمانه ، وروى السلمي عن جعفر رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: {فأوحى إلى عَبْدِهِ مَا أوحى} [النجم: 10] قال: أوحى بلا واسطة فيما بينه وبينه سراً إلى قلبه ، ولا يعلم به أحد سواه إلا في العقبى حين يعطيه الشفاعة لأمته ، وقال الواسطي ألقى إلى عبده ما ألقى ولم يظهر ما الذي أوحى لأنه خصه سبحانه به صلى الله عليه وسلم ، وما كان مخصوصاً به عليه الصلاة والسلام كان مستوراً ، وما بعثه الله تعالى به إلى الخلق كان ظاهراً ، قال الطيبي: وإلى هذا ينظر معنى ما روينا في"صحيح البخاري"عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين: فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته قطع مني هذا البلعوم أراد عنقه وأصل معناه مجرى الطعام ، وبذلك فسره البخاري ، ويسمون ذلك علم الأسرار الإلهية وعلم الحقيقة ، وإلى ذلك أشار رئيس العارفين علي زين العابدين حيث قال:
إني لأكتم من علمي جواهره...
كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا
وقد تقدم في هذا أبو حسن...
إلى الحسين ، وأوصى قبله الحسنا
فرب جوهر علم لو أبرح به...
لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي...
يرون أقبح ما يأتونه حسناً