عليه هذه الأوقات إذا لم يلعب به الهوى، فتكون مصروفة في الجمع والتأليف، والترتيب والتصنيف إن وفقه الله تعالى لذلك.
وأيضاً فإن الخمر مضرة بالعقول، والتصنيف يحتاج إلى عقل رصين، وقد سلمت علماء هذه الأمة إلا من ضربه الله تعالى بسوط الخذلان حتى مده في الغي الشيطان؛ نسأل الله العافية فيما بقي، ونحمده عليها فيما مضى.
وكتابة العلم وتصنيفه في الكتب مما عليه إجماع الأمة، وهو من أعظم أدلة الدين، وفي الكتاب والسنة ما يؤيد هذا الإجماع الرصين.
قال الله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4) } [سورة الأحقاف: 4] .
روى الإمام أحمد - ورجاله رجال الصحيح - والطبراني في"الكبير"عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} [سورة الأحقاف: 4] قال:"الْخَطُّ".
وروى الطبراني في"الأوسط"، ولفظه: عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن الخط فقال:"هُوَ أثَارةٌ مِنْ عِلْمٍ".
وروى الحاكم في"المستدرك"عن ابن عباس موقوفاً في قوله: {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} [سورة الأحقاف: 4] فقال: جودة خط.
وهذا الأثر، وقد أخرجه ابن مردويه عن أبي سعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظ:"حُسْنُ الخَطِّ".
يشير إلى أن المراد بالخط الكتابة، ولا تكرار عليه لأنه أراد بقول: بكتاب: ما نزاع، وبأثارة: ما قيد به العلم.
وقيل: أراد به التنجيم، وخط الرمل.
والأثارة - بفتح الهمزة: من مادة: أث ر، وهي والأُثرة - بالضم: بقية العلم.
وقد روى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس: أنه قال في قوله: {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} [سورة الأحقاف: 4: بينة من الأمر.
وهي شاملة للعلم المكتوب.
والمعنى والله سبحانه أعلم: ائتوني بكتاب منزل على نبي من
قبل هذا القرآن، أو بخط جيد ثابت عن من يؤخذ عنهم الدين إن كنتم صادقين.