وروى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال: إنما ضلت بنو إسرائيل بكتب وَرِثوها عن آبائهم.
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أتي بصحيفة فيها حديث، فدعا بماء فمحاها، ثم غسلها، ثم أمر بها فأحرقت، ثم قال: بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون.
وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: كنا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فخرج علينا فقال:"مَا هَذَا تَكْتبوْنَ؟"
فقلنا: ما نسمع منك.
فقال:"أَكِتَابٌ مَعَ كِتَابِ اللهِ؟ امْحَضُوا كِتَابَ اللهِ وَأخْلِصُوا".
واعلم أن كتابة العلم وتقييده مما استقر عليه أمر المسلمين بحيث صار إجماعاً، وإنما نهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كتابة ما يسمعونه منه أولاً حذراً أن يخلط ما ليس بالقرآن به كما في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، ثم أذن في الكتابة بعد.
وأما ما كان عليه جماعة من الصدر الأول من النهي عن كتابة الحديث، فإنما كان حذراً من الاتكال على الخط، وعدم الاجتهاد في حفظ العلم حتى قيل:
ما الْعِلْمُ إِلاَّ ما وَعاهُ الصَّدْرُ ... وَلَيْسَ بِالَّذِي حَوى الْقِمَطْرُ
وبالجملة فإذا تثبت الكاتب، ولم يكتب إلا ما صح الأخذ به من الكتاب والسنة، فهذا مثاب على كتابته - سواء كان ناسخاً، أو مصنفاً إذا كان فيه أهلية لذلك - وهي مما مدحت به هذه الأمة حتى قال القاضي أبو بكر بن العربي في"المعارف": ولم يكن قط في الأمم من انتهى إلى حد هذه الأمة من التصرف في التصنيف والتحقيق.
ثم ما كان بعد زمانه من ذلك لا شك أنه أوسع وأكثر مما رآه أو سمع به.
ولقد جاء بعده أمم من العلماء اتسعت تصرفاتهم، وانتشرت تصنيفاتهم وتأليفاتهم.
وقرأت بخط الشيخ برهان الدين بن جماعة ما قرأه بخط صاحبه الشيخ أبي عبد الله محمد بن مرزوق التلمساني قال: سئل شيخنا الإمام أبو عبد الله التلمساني الآبلي عن كثرة تصانيف هذه الأمة واشتغالها بالتآليف، فقال: هذا من فوائد تحريم الخمر عليها، انتهى.
قلت: ووجهه أن شارب الخمر يصرف مدة من الزمان في الشرب والطرب، وتذهب عليه مدة في السكر والغيبة، فمن كان عالماً توفرت