ففي ذلك إشارة إلى الاحتجاج بالخط، ومعنى جودته، وحسن
ضبطه، والتثبت فيه، ومن ثم اعتبر المحدثون الكتابة، والوِجادة، ومناولة الكتب كما هو مقرر في محله.
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [سورة البقرة: 282] .
فأمر بكتابة الدَّين حفظاً له من الضياع، فكتابة العلم تقييداً له أولى.
وروى ابن أبي شيبة، وأبو داود عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: كنت كتب كل شيء أسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأريد حفظه، فنهتني قريش عن ذلك، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتكلم في الرضا والغضب؟
قال: فأمسكت، وذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فأشار بيده إلى فِيْهِ فقال:"اُكْتُبْ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ مَا يَخْرُجُ مِنِّي إِلاَّ حَقٌّ".
وروى الإمام أحمد - وأصله في الصحيح - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب بيده ويعيه بقلبه، وكنت أعيه
بقلبي ولا أكتب بيدي، واسْتَأْذَنَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكتابة فأذن له.
وروى الطبراني في"الأوسط"من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"اِستَعِنْ بِيَمِيْنِكَ عَلَى حِفْظِكَ".
وفيه إيماء إلى أن الكتابة تكون باليمين، وهي مكروهة بالشمال.
وروى ابن أبي شيبة، والدارميُّ، والحاكم وصححه، عن عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قَيِّدوا العلم بالكتاب.
وروى الطبراني - ورجاله رجال الصحيح - عن ثُمامة قال: قال لنا أنس رضي الله تعالى عنه: قيدوا العلم بالكتاب.
وروى ابن أبي شيبة عن مسلمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.