4 -نلاحظ في موضوع القصاص وغيره أن هناك شيئا أجمع عليه الأئمة، وهناك شيء اختلفوا فيه. فما لا يسع أحدا - شعوبا أو حاكمين - تركه هو ما أجمعوا عليه. وأمّا ما اختلفوا فيه فللفرد الأخذ برأي إمام مجتهد. وللدولة الأخذ برأي إمام على ألّا يكون الأخذ أثرا عن هوى بل أثرا عن تحقيق.
5 -قوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ .. إخبار عن حكم الله الموجود في التوراة في موضوع القصاص. وهذا الحكم نجده الآن في ما يسمّونه التوراة، في سفر الخروج، في الإصحاح الحادي والعشرين. «وإن حصلت أذية تعطى نفس بنفس، وعينا بعين، وسنا بسن، ويدا بيد، ورجلا برجل، وكيا بكي، وجرحا بجرح، ورضّا برضّ ... » . والملزم لنا ما ورد في كتابنا.
قال ابن كثير: وقد حكى الإمام أبو نصر الصبّاغ - رحمه الله - في كتابه الشامل إجماع العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلّت عليه. وقد احتج الأئمة كلّهم على أن الرّجل يقتل بالمرأة بعموم هذه الآية الكريمة، وكذا ورد في الحديث الذي رواه النّسائي وغيره أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتب في كتاب عمرو بن حزم «أن الرجل يقتل بالمرأة» . وفي الحديث الآخر «المسلمون تتكافأ دماؤهم» . وهذا قول جمهور العلماء، وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها، إلا أن يدفع وليّها إلى أوليائه نصف الدية، لأن ديتها على النصف من دية الرّجل، وإليه ذهب أحمد في رواية وروي عن الحسن وعطاء وعثمان البستي، ورواية عن أحمد: أنّ الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها بل يجب ديتها، وهكذا احتجّ أبو حنيفة رحمه الله تعالى
بعموم هذه الآية على أنه يقتل المسلم بالكافر الذمّي، وعلى قتل الحر بالعبد، وقد خالفه الجمهور فيهما، ففي الصحيحين: عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «لا يقتل مسلم بكافر» وأمّا العبد ففيه عن السّلف آثار متعدّدة أنهم لم يكونوا يقيدون العبد من الحر، ولا يقتلون حرا بعبد، وجاء في ذلك أحاديث لا تصح.
وحكى الشافعي الإجماع على خلاف قول الحنفية في ذلك، ولكن لا يلزم عن ذلك بطلان قولهم إلا بدليل مخصّص للآية الكريمة.