ومثال آخر: يقال:"نظر"و"رمق"و"لمح"؛ وكل كلمة لها موقفها ؛ فالنظر يكون بجميع عينيه . و"رَمِق"أي لحظ لحظا خفيفاً . و"لَمَح"أي اختلس النظر إليه . وكذلك قوله الحق معناه: أننا كتبنا عليهم فيها أن النفس مقتولة بالنفسن والعين مفقوءة بالعين ، والأنف مجدوعة بالأنف ، والأذن مصلومة بالأذن ، والسن مخلوعة بالسن . وبعد ذلك يقول الحق عن الجروح: {والجروح قِصَاصٌ} لأن الجرح قد يكون في أي مكان . والقصاص يكون بمثله ومساوياً للشيء ، وهو مأخوذ من قص الأثر ؛ أي السير تبعاً لما سارت عليه القدم السابقة دون انحراف . ولما كان القصاص هو أمر مطلوب فيه المماثلة فذلك أمر صعب ، صحيح أن الحق قال: {فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]
لكن القصاص أمر صعب ، فالصفعة من يد جائع متهافتة بعكس الصفعة التي تأتي من يدٍ صاحبُها في منتهى النشاط والقوة . فكيف يكون القصاص مناسباً لقوة الذي فعل الفعل؟
إذن لا يصح أن يدخل الإنسان في متاهة . ويمكنه أن يتصدق بالقصاص فلا يأخذه . ونحن نعلم حكاية"تاجر البندقية"ذلك المرابي اليهودي الذي أقرض نقوداً مقابل رطل من لحم صاحب القرض ، وكتب الاثنان لاتعاقد وجاءا بالشهود ولم يستطع الرجل أن يُسدّد المال في الميعاد ولكن القاضي أنار الله بصيرته .
فقال: خذ الرطل من لحم الرجل ولكن إن أنقصت أوقية فسنأخذها منك أو إن زدت أوقية فسنأخذها منك . فقال المرابي: لا أريد .