قال ابن تيمية: إن فيها - الآية - ذكر الصوامع والبيع، وأما قوله: (ويذكر فيها اسم الله كثيرًا فإنما ذكره عقب ذكره المساجد، والمساجد للمسلمين، وليس المراد بها كنائس النصارى، فإنها هي البيع ثم قوله تعالى: {يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} ، إما أن يكون مختصًا بالمساجد فلا يكون في ذلك إخبار بأن اسم الله يذكر كثيرًا في البيع والصوامع، وإما أن يكون ذكر اسم الله في الجميع فلا ريب أن الصوامع والبيع قبل أن يبعث الله محمدًا كان فيها من يتبع دين المسيح الذي لم يبدل ويذكر فيها اسم الله كثيرًا، وقد قيل: إنها بعد النسخ والتبديل يذكر فيها اسم الله كثيرًا وإن الله يحب أن يذكر اسمه.
وأهل الكتاب خير من المشركين، وقد ذكرنا أنه لما اقتتل فارس والروم وانتصرت الفرس ساء ذلك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكرهوا انتصار الفرس على النصارى؛ لأن النصارى أقرب إلى دين الله - عز وجل - من المجوس، والرسل بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد
وتقليلها، وتقديم خير الخيرين على أدناهما حسب الإمكان، ودفع شر الشرين بخيرهما. فهدم صوامع النصارى وبيعهم فساد إذا هدمها المجوس والمشركون، وأما إذا هدمها المسلمون وجعلوا أماكنها مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا فهذا خير وصلاح.
وهذه الآية ذكرت في سياق الإذن للمسلمين بالجهاد بقوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) } (الحج: 39) ، وهذه الآية أول آية نزلت في الجهاد ولهذا قال: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} .