وقال الأصمعي: لا أدري أهو الحبر أو الحبر، وأما اشتقاقه فقال قوم: أصله من التحبير وهو التحسين، وفي الحديث"يخرج رجل من النار ذهب حبره وسبره"أي جماله وبهاؤه، والمحبر للشيء المزين، ولما كان العلم أكمل أقسام الفضيلة والجمال والمنقبة لا جرم سمي العالم به.
وقال آخرون اشتقاقه من الحبر الذي يكتب به، وهو قول الفرّاء والكسائي وأبي عبيدة، والله أعلم. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 12 صـ 4}
[فائدة]
قال الفخر:
دلّت الآية على أنه يحكم بالتوراة النبيون والربانيون والأحبار، وهذا يقتضي كون الربانيين أعلى حالاً من الأحبار، فثبت أن يكون الربا نيون كالمجتهدين، والأحبار كآحاد العلماء. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 12 صـ 4}
قوله تعالى {بِمَا استحفظوا مِن كتاب الله}
[فائدة]
قال الفخر:
حفظ كتاب الله على وجهين:
الأول: أن يحفظ فلا ينسى.
الثاني: أن يحفظ فلا يضيع، وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه من هذين الوجهين: أحدهما: أن يحفظون في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم،
والثاني: أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 12 صـ 5}
وقال ابن عاشور:
الباء في قوله {بما استحفظوا} للملابسة، أي حكماً ملابساً للحقّ متّصلاً به غير مبدّل ولا مغيّر ولا مؤوّل تأويلاً لأجل الهوى.
ويدخل في الاستحفاظ بالكتاب الأمر بحفظ ألفاظه من التغيير والكتمان.
ومن لطائف القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حَمَّاد ما حكاه عياض في"المدارك"، عن أبي الحسن بن المنتاب، قال: كنت عند إسماعيل يوماً فسئل: لم جاز التّبديل على أهل التّوراة ولم يجز على أهل القرآن، فقال: لأنّ الله تعالى قال في أهل التّوراة {بما استحفظوا من كتاب الله} فوكل الحفظ إليهم.
وقال في القرآن: {إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنَّا له لحافظون} [الحجر: 9] .
فتعهّد الله بحفظه فلم يجز التّبديل على أهل القرآن.
قال: فذكرت ذلك للمُحاملي، فقال: لا أحْسَنَ من هذا الكلام.
و {من} مبيّنة لإبهام (ما) في قوله: {بما استحفظوا} .
و {كتاب الله} هو التّوراة، فهو من الإظهار في مقام الإضمار، ليتأتّى التّعريف بالإضافة المفيدة لتشريف التّوراة وتمجيدها بإضافتها إلى اسم الله تعالى. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 5 صـ}