(وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) القِسط هو:
النصيب بالعدل الذي لَا وكس فيه ولا شطط، وتوصف به الأعمال الطيبة، فقد قال تعالى: (. . . لِيَجْزِيَ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات بِالْقِسْطِ. . .) .
وقال تعالى؛ (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ. . .) .
والقَسْطُ أخذ نصيب غيره، والإقساط إعطاء غيره نصيبه غير منقوص؛ ولذلك قال العلماء: إن القاسط هو الظالم، ولذا قال تعالى: (وَأَمَّا الْقَاسطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) . والمقسط هو العادل، ومنه قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) . والمعنى الجملي للنص الكريم: إن اخترت أن تحكم بينهم لرجاء أن ينفذوا الحكم ويذعنوا له، فلا تتبع أهواءهم واحكم بالعدل والقسطاس المستقيم، وذلك العدل بين الله تعالى حكمه، وشرع لزومه في كتبه المقدسة فإذا كان هناك زنى فالقسط أن يحكم بالحد، لَا فرق بين شريف وضعيف، وقادر وغير قادر، بل الجميع أمام الحق على سواء، فالقسط هو إعطاء كل ذي حق حقه، وتنفيذ حدود الله تعالى بالمساواة، فلا يعفى منها شريف دون ضعيف، فإن في هذا هلاك الأمم، وذل الشعوب.
وقد ذيل النص الكريم بقضية عامة شاملة، وهي قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) . وفي ذلك تزكية للعدل وتأكيد لطلبه، فقد أكد الكلام بالجملة الاسمية، وبـ"إنَ"المؤكِّدة، وبتصدير الكلام بلفظ الجلالة، وببيان أن محبة الله تعالى لَا تكون إلا للعادلين المقسطين الذين لَا يجورون، وكان التعبير بـ"إنْ"في قوله تعالى: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم) . وهي تفيد الشك في اختياره عليه الصلاة والسلام الحكم بينهم لأنهم ليسوا طلاب حق وإنصاف بل يريدون الحكم كما يهوون، والدليل على أن اليهود ليسوا طلاب حق أن التوراة التي بأيديهم فيها الحكم صريح في الموضوع الذي تحاكموا فيه.
(وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ...(43)