فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ تُبَيِّنُ سُنَّتَهُ تَعَالَى فِي الْبَشَرِ ، وَأَنَّ الْجَزَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْأَعْمَالِ ، لَا عَلَى الْأَسْمَاءِ وَالْأَلْقَابِ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُصَدِّقُهُ الْوُجُودُ ، وَتَشْهَدُ بِهِ تَوَارِيخُ جَمِيعِ الْأَقْوَالِ وَالْأَجْيَالِ ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ شَأْنَ أَهْلِ الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ وَالدِّينِ الْقَيِّمِ أَنْ يَكُونُوا أَعْرَفَ بِسُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ ; فَتَكُونَ ذُنُوبُهُمُ الَّتِي يُعَاقَبُونَ بِهَا مَوْعِظَةً يَتَّعِظُونَ بِهَا ، وَتَمْحِيصًا يُكْمِلُ نُفُوسَهُمْ بِالْعِبَرِ ، وَيُعْلِي شَأْنَهَا ، وَأَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُتَّقِينَ لِكُلِّ مَا جَعَلَهُ اللهُ سَبَبًا لِلْخَيْبَةِ وَالْخُسْرَانِ ; كَالظُّلْمِ وَالْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ ، وَالتَّنَازُعِ وَالتَّفَرُّقِ ، وَالْغُرُورِ وَعَدَمِ النِّظَامِ ، وَبِهَذَا يَكُونُونَ مِنْ أَحِبَّاءِ اللهِ تَعَالَى وَيَكُونُ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ قَبِيلِ تَرْبِيَةِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُسَمَّى تَعْذِيبًا ; لِأَنَّ مَرَارَةَ الدَّوَاءِ الَّذِي يَشْفِيكَ مِنَ السَّقَمِ ، لَيْسَ كَالسَّوْطِ الَّذِي لَا يُصِيبُكَ مِنْهُ إِلَّا الْأَلَمُ .
وَمَنْ رَاجِعِ تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ مِنْ تَفْسِيرِنَا هَذَا يَتَجَلَّى لَهُ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ تَمَامَ التَّجَلِّي ، وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَعْتَصِمُوا بِهَذَا الْبَيَانِ ; فَيَتَّقُوا غُرُورَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، بَلِ اتَّبَعُوا سُنَّتَهُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ ، إِلَى أَنْ آلَ الْأَمْرُ إِلَى