وهذه الآية ليست آية ابتدائية إنما هي إشارة إلى حكم سبق ، ونعرف أنها نزلت في المدينة ؛ فالحق يقول: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا} ومعنى هذا أن هناك آية قد نزلت من قبل في مكة ؛ ويقول فيها الحق:
{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68]
ويشير الحق هنا إلى أنه قد أنزل حكماً في البداية ، وهو الحكم الذي نزل مع الكافرين في مكة ؛ حيث استضعف الكافرون المؤمنين ، ولم يكن المنهج الإيماني قد جاء بمنع المؤمنين أن يجالسوا الكافرين ، فقد كان بعض المؤمنين عبيداً للكافرين ، وبعض المسلمين الأوائل كان لهم مصالح مشتركة قائمة مع الكافرين وجاء الحكم: إن ولغ هؤلاء الكافرون في الدين بالباطل فاتركوا لهم المكان.
وسبحانه هنا في سورة النساء يذكر المؤمنين بأن حكم ترك الكافرين لحظة اللغو في الإيمان هو حكم ممتد منقول للمؤمنين من البيئة الأولى حيث كنتم أيها المؤمنون مع المشركين عبدة الأصنام ، والحكم مستمر أيضاً في المدينة حيث يوجد بعض أهل الكتاب. والتكليف من الله ، هو تكليف بما يطيقه الجنس البشري ؛ فالإنسان عرضة لأن ينسى ، وعليه بمجرد ان يتذكر فليقم تاركاً هؤلاء الذين يخوضون في آيات الله.
وقد نزل في القرآن أن إذا سمع المؤمنون من يكفر بآيات لله ويستهزئ بها فليغادروا المكان ، ونلحظ أن الذي نزل في الآية الأولى ليس سماعاً بل رؤية:
{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [الأنعام: 68]