والمعنى: أنَّ هؤلاء قد استبان من ذبذبتهم واضطراب أحوالهم من إيمان إلى كفر ثم من كفر إلى إيمان وهكذا، إنهم قد فقدوا الاستعداد لفهم حقيقة الإيمان، وفقه مزاياه وفضائله، ومثلهم لا يرجى لهم بحسب سنن الله في خليقته أن يهتدوا إلى الخير، ولا أن يسترشدوا إلى نافع، ولا أن يسلكوا سبيل الله، فجدير بهم أن يمنع الله عنهم رحمته، ورضوانه ومغفرته وإحسانه؛ لأن أرواحهم قد دنست، وقلوبهم قد عميت، فلم تكن محلًا للمغفرة، ولا للرجاء في ثواب، والله أرحم الراحمين واسع المغفرة، لم يكن ليحرم أحدًا المغفرة والهداية بمحض الخلق والمشيئة وإنما مشيئته مقترنة بحكمته، وقد جرت سنة الله وحكمته الأزلية بأن يكون كسب البشر لعلومهم وأعمالهم مؤثرًا في نفوسهم، فمن طال عليه أمد التقليد .. حجب عن عقله نور الدليل، ومن طال عليه عهد الفسوق والعصيان .. حرم من أسباب الغفران التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في قوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82) } ولا شك أن المغفرة وهي محو أثر الذنب من العبد إنما تكون بتأثير التوبة والعمل الصالح، الذي يزيل ما علق في النفس من تلك الآثام، كما قال تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} . انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 6/ 399 - 417} ...