وتدبر هذه الظاهرة ، في آفاقها هذه ، قد لا يتسنى لكل إدراك ، ولا يتسنى لكل جيل. بل المؤكد أن كل إدراك سيتفاوت مع الآخر في إدراكها ؛ وكل جيل سيأخذ بنصيبه في إدراكها ويدع آفاقاً منها للأجيال المترقية ، في جانب من جوانب المعرفة أو التجربة.
.إلا أنه يتبقى من وراء كل الاختلاف البشري الكثير في إدراك هذه الظاهرة - كاختلافه الكثير في كل شيء آخر! - بقية يلتقي عليها كل إدراك ، ويلتقي عليها كل جيل.. وهي أن هذه الصنعة شيء وصنعة البشر شيء آخر. وأنه لا اختلاف في هذه الصنعة ولا تفاوت ، وإنما وحدة وتناسق.. ثم يختلف الناس بعد ذلك ما يختلفون في إدراك آماد وآفاق وأبعاد وأنواع ذلك التناسق!
وإلى هذا القدر الذي لا يخطئه متدبر - حين يتدبر - يكل الله تلك الطائفة ، كما يكل كل أحد ، وكل جماعة ، وكل جيل. وإلى هذا القدر من الإدراك المشترك يكل إليهم الحكم على هذا القرآن ؛ وبناء اعتقادهم في أنه من عند الله. ولا يمكن أن يكون من عند غير الله.
ويحسن أن نقف هنا وقفة قصيرة ، لتحديد مجال الإدراك البشري في هذا الأمر وفي أمر الدين كله. فلا يكون هذا التكريم الذي كرمه الله للإنسان بهذا التحكيم ، سبيلاً إلى الغرور ، وتجاوز الحد المأمون ؛ والانطلاق من السياج الحافظ من المضي في التيه بلا دليل!
إن مثل هذه التوجيهات في القرآن الكريم يساء إدراكها ، وإدراك مداها. فيذهب بها جماعة من المفكرين الإسلاميين - قديماً وحديثاً - إلى إعطاء الإدراك البشري سلطة الحكم النهائية في أمر الدين كله. ويجعلون منه نداً لشرع الله. بل يجعلونه هو المسيطر على شرع الله!