الَّذِي لاَ شكَّ فِيْهِ، أن عملَهم وإجماعَهم لاَ يكونُ حجَّةً فيما طريقُه الاجتهادُ والنظرُ؛ لأن الدليلَ العاصمَ للأمَّةِ مِن الخطأِ فِي الاجتهادِ، لاَ يَتَنَاوَلُ بعضُهم، وَلاَ مُسْتَنَدَ للعصمةِ سواهُ، وكيفَ يُمكنُ أن يقالَ: بأنَّ مَن كَانَ بالمدينةِ مِن الصحابةِ، رِضوانُ اللهُ عَلَيْهِمْ، يُقْبَلُ خلافُه مَا دامَ مُقِيمًا بِهَا، فَإِذَا خرجَ عَنْهَا، لم يُقْبَلْ خِلَافُه؟ فإنَّ هَذَا مُحالٌ؛ فإنَّ قبولَ خلافِه باعتبارِ صفاتٍ قائمةٍ بِهِ حَيْثُ حلَّ، فَتُفْرَضُ المسألةُ فيما اخْتلفَ فِيهِ أَهلُ المدينةِ، مَعَ بَعْضِ مَن خَرَجَ مِنْهَا مِن الصحابةِ، بعدَ استقرارِ الوحيِ، وموتِ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكلُّ مَا قيلَ مِن ترجيحٍ لأقوالِ علماءِ أهلِ المدينةِ، وَمَا اجتمعَ لهم مِن الأوصافِ، قَدْ كَانَ حاصلًا لِهَذَا الصحابيِّ، ولم يَزُلْ عَنْهُ بِخُرُوجِهِ، وَقَدْ خرجَ مِن المدينةِ أفضلُ أهلِ زمانِه فِي ذَلِكَ الوقتِ بالإِجماعِ مِن أهلِ السُّنَّةِ، وَهُوَ عليُّ بنُ أبِي طالبٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. وَقَالَ أقوالًا بالعراقِ، فكيفَ يُمكنُ إهدارُها إِذَا خالفَها أهلُ المدينةِ؟ وَهُوَ كَانَ رأسَهم، وَكَذَلِكَ ابنُ مسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَمَحلُّهُ من العلمِ مَعلومٌ، وغيرُهما قَدْ خَرَجُوا، وقالُوا أقوالًا، عَلَى أنَّ بَعْضَ النَّاسِ يقولُ: إنَّ المسائلَ المُخْتَلَفَ فِيْهَا خارجَ المدينةِ، مُخْتَلَفٌ فِيْهَا بالمدينةِ، وادَّعَى العمومَ فِي ذَلِكَ.
الوجهُ الخامسُ: وَرَدَ فِي بَعْضِ الرواياتِ للحديثِ: (( وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أن يُفارِقَه خشيةَ أن يَسْتَقِيلَهُ ) ). فاسْتُدِلَّ بهذه الزيادةِِ عَلَى عدمِ ثبوتِ خيارِ المجلسِ من حَيْثُ إِنَّهُ لولا أنَّ العقدَ لازمٌ لَما احتاجَ إِلَى الاستقالةِ، وَلاَ طَلَبَ الفرارَ مِن الاستقالةِ.
وأُجِيبَ عَنْهُ بأنَّ المُرَادَ بالاستقالةِ فَسْخُ البيعِ بِحُكْمِ الخيارِ، وغايةُ مَا فِي البابِ استعمالُ المجازِ فِي لفظِ (( الاسْتِقَالَةِ ) )لكن جازَ المصيرُ إليه إِذَا دلَّ الدليلُ عَلَيْهِ، وَقَدْ دلَّ مِن وجهينِ:
أحدُهما: أَنَّهُ عَلَّقَ ذَلِكَ عَلَى التفرُّقِ، فَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى خيارِ الفَسْخِ، صحَّ تَعْلِيقُه عَلَى التفرُّقِ؛ لأنَّ الْخِيارَ يَرْتَفِعُ بالتفرُّقِ، وَإِذَا حَملْنَاه عَلَى الاستقالةِ، فالاسْتِقَالَةُ لاَ تَتَوَقَّفُ عَلَى التفرُّقِ، وَلاَ اختصاصَ لَهَا بالمجلسِ.
الثَّانِي: أنَّا إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى خيارِ الفَسْخِ، فالتَّفَرُّقُ مُبْطِلٌ لَهُ قَهْرًا، فيناسبُ المنعَ مِن التفرُّقِ المبطِلِ للخيارِ عَلَى صاحبِه، أَمَّا إِذَا حملْنَاه عَلَى الإِقالةِ الحقيقيَّةِ، فمعلومٌ أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ عَلَى الرجلِ أنْ يُفارِقَ صاحبَه خوفَ الاستقالةِ، وَلاَ يبقى بعدَ ذَلِكَ إِلاَّ النظرُ فيما دلَّ عَلَيْهِ الحديثُ من التحريمِ.
الوجهُ السادسُ: تَأْوِيلُ الحديثِ بِحَمْلِ (( المُتَبَايِعَيْنِ ) )عَلَى (( المُتَسَاوِمَيْنِ ) )لمصيرِ حالِهما إِلَى البيعِ، وحملِ (( الخيارِ ) )عَلَى (( خيارِ القبولِ ) ).
وأُجِيبَ عَنْهُ بأنَّ تسميةَ المُتَسَاوِمَيْنِ مُتَبَايِعَيْنِ مجازٌ.
واعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الجوابِ بأن تَسْمِيَتَهُمَا (( مُتَبَايِعَيْنِ ) )بعدَ الفراغِ من البيعِ مجازٌ أَيْضًا، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الْحَمْلَ عَلَى هَذَا المجازِ أَوْلَى؟ فقيلَ عَلَيْهِ: إِنَّهُ إِذَا صدرَ البيعُ، فَقَدْ وُجِدَت الحقيقةُ، فَهَذَا المجازُ أَقْرَبُ إِلَى الحقيقةِ مِن مجازٍ لم تُوجَدْ حقيقتُه أصلًا عندَ إطلاقِه، وَهُوَ الحملُ عَلَى المُتَسَاوِمَيْنِ.
الوجهُ السابعُ: حملُ (( التَّفَرُّقِ ) )عَلَى التَّفَرُّقِ بالأقوالِ، وَقَدْ عُهِدَ ذَلِكَ شَرْعًا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَإِن يَتَفَرَّقَا) [النساء: 130] ،
أيْ: عنِ النِّكاحِ.
وأُجيبَ عَنْهُ بأنهُ خلافُ الظَّاهرِ؛ فإنَّ السَّابقَ إِلَى الفهمِ التفرُّقُ عن المكانِ، وَأَيْضًا فَقَدْ وردَ فِي بَعْضِ الرِّواياتِ: (( مَا لَمْ يتفرَّقَا عن مكانِهمَا ) )وَذَلِكَ صريحٌ فِي المقصودِ.