وَجَوابُهُ: أنَّ بَينَهُما تَفَاوُتًا. فَإِنَّ قُولَهُ: (( حَشَا اللهُ ) )يَقتَضِي مِن التَّرَاكُمِ وَكثْرةِ أَجْزَاءِ المَحْشُوِّ مَا لا يَقْتَضيهِ (( مَلأَ ) )وَقد قِيلَ: إِن شَرطَ الرِّوَايَةِ بالمَعنَى: أَنْ يَكونَ اللَّفظَانِ مُتَرادِفَينِ، لا يَنْقُصُ أَحدُهُما عَن الآخَرِ. عَلَى أنَّهُ وَإنْ جَوَّزْنَا بِالمَعنَى، فَلا شَكَّ أنَّ رِوَايةَ اللَّفْظِ أَوْلَى. فَقَد يكونُ ابنُ مَسعُودٍ تَحَرَّى لِطَلَبِ الأفْضَلِ.
51 -الحَديثُ السَّادسُ: عَن عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما قَالَ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالعِشاءِ. فَخرَجَ عُمَرُ، فَقالَ: الصَّلاةُ، يا رَسُولَ اللهِ. رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخرجَ وَرأسُهُ يَقْطُرُ يقُولُ: (( لَولا أَنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي ) )- أَو (( عَلَى النَّاسِ - لأَمَرْتُهُم بِهذِه الصَّلاةِ هَذهِ السَّاعَةَ ) ).
(( عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسِ ) )بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ بنِ هَاشِمِ بنِ عَبدِ مَنَافٍ، أَبُو العَبَّاسِ، ابنُ عَمِّ رسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدُ أَكَابرِ الصَّحَابةِ وَعُلَمائهِم كَان يُقَالُ لهُ: (( البَحرُ ) )لِسِعَةِ عِلمِهِ. مَاتَ بِالطَّائفِ سَنةَ ثَمانٍ وَسِتِّينَ فِي أيَّامِ ابنِ الزُّبَيرِ، وَوُلِدَ قبلَ الهِجرةِ بِثَلاثِ سِنِينَ، فِي قولِ الوَاقِدِيِّ. وَفي الحَديثِ مَبَاحِثٌ:
الأَوَّلُ: يُقالُ (( عَتَمَ الْلَيلُ ) )يَعْتِمُ - بِكَسرِ التَّاءِ - إِذَا أَظْلَمَ، وَالعَتَمَةُ: الظُّلْمَةُ. وَقِيلَ: إِنَّها اسْمٌ لِثُلُثِ الْلَيلِ الأَوَّلِ بعدَ غُروبِ الشَّفَقِ. نُقِلَ ذَلكَ عَن الخَليلِ. وَقولُهُ (( أَعْتَمَ ) )أيْ دَخَلَ فِي العَتَمَةِ، كَما يُقالُ: أَصبَحَ، وَأَمسى، وَأظْهَرَ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: {حِينَ تُمسُونَ وَحينَ تُصبِحُونَ} إِلى قُولِهِ: {وَحينَ تُظْهِرُونَ} [الرُّومِ:17،18] .
الثَّانِى: اخْتَلفَ النَّاسُ فِي كَرَاهِيةِ تَسمِيَةِ (( العِشاءِ ) )بِالعَتَمَةِ، فَمِنهُم مَن أَجَازَهُ، وَاستَدَلَّ بِهَذَا الحَديثِ. وفِي الاسْتدلالِ بهِ نَظَرٌ. فَإنَّ قَولَهُ: (( أَعْتَمَ ) )أيْ دَخلَ فِي وقتِ العَتَمَةِ. والمُرادُ: صَلَّى فِيهِ. وَلا يَلزَمُ من ذَلكَ أَنْ يَكونَ سُمِّي العِشاءُ (( عَتَمَةً ) )وَأصحُّ مِنهُ: الاسْتدْلالُ بِقولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَو يَعلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ ) )وَمِنهُم مَن كَرِهَ ذَلكَ. قَالَ الشَّافِعِىُّ: وَأُحِبُّ أَنْ لا تُسَمَّى صَلاةُ العِشاءِ بِالعَتَمَةِ , وَمُستَندُهُ هَذَا الحَديثِ الصَّحِيحِ، عَن ابنِ عُمَرَ: أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لا تَغْلِبَنَّكُم الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلاتِكُم، ألا وَإنَّهَا العِشاءُ. وَلَكِنَّهُم يَعتِمُونَ بِالإِبِلِ ) ): أيْ يُؤَخِّرُونَ حَلْبَهَا إِلَى أَنْ يَظلِمَ الظَّلامُ. وَعَتَمَةُ الْلَيلِ: ظُلْمَتُهُ، كمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَهَذَا الحَديثُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا المَقصُودِ مِن وُجوهٍ. أَحَدُهُا: صِيغَةُ النَّهْي. وَالثَّانِي: مَا فِي قَولِه (( تَغْلِبنَّكُم ) )فَإنَّ فيهِ تَنْفِيرًا عَن هَذه التَّسمِيَةِ. فَإنَّ النُّفُوسَ تَأنَفُ مِن الغَلَبةِ. وَالثَّالثُ: إِضَافةُ الصَّلاةِ إِليهِم، فِي قولِهِ: (( عَلى اسْم صَلاتِكُم ) )فَإنَّ فيهِ زِيادةً. أَلَا تَرى أَنَّا لَو قُلنَا: لا تَغْلِبَنَّ عَلَى مَالِكَ: كَانَ أَشَدَّ تَنْفِيرًا مِن قَولِنَا: لا تَغْلِبَنَّ عَلَى مَالٍ، أَو عَلَى المَالِ؟ لِدَلالَةِ الإضَافةِ عَلَى الاختِصَاصِ بِهِ.
وَلعلَّ الأقْربَ: أَن تَجُوزَ هَذه التَّسْمِيَةُ، وَيكونُ الأَوْلَى تَرْكُهَا. وَقد قَدَّمْنَا الفَرْقَ بينَ كَونِ الأَولَى تَركُ الشَّئِ، وَبينَ كَونِهِ مَكرُوهًا. أَمَّا الجَوازُ: فَلفْظُ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأمَّا عَدَمُ الأَولَوِيَّةِ: فَلِلحَدِيثِ المَذكُورِ. وَلفْظُ الشَّافِعِيِّ - وَهُوَ قولُهُ: (( لا أُحِبُّ ) )- أَقرَبُ إلى مَا ذَكَرنَاهُ مِن قَولِ مَن قَالَ مِن أَصحَابِهِ: (( وَيُكْرَهُ أن يُقَالَ لَها العَتَمَةُ ) ).
أَو يَقولُ: المَنْهِيُّ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ الغَلَبةُ عَلَى الاسْمِ , وَذلِكَ بِأنْ يُستَعْمَلَ دَائمًا، أو أَكْثَرِيًّا. وَلا يُنَاقِضُهُ أَن يُسْتَعمَلَ قَليلًا. فَيكونُ الحَديثُ مِن بابِ استِعمَالِهِ قليلًا. أَعنِي قَولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَلَو يَعلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ ) )، وَيكونُ حَديثُ