الخامسةُ: عُقُوقُ الوالديْنِ معدودٌ من أكبرِ الكبائرِ في هذا الحديثِ، ولا شكَّ في عِظَمِ مَفْسَدَتِهِ؛ لِعِظَمِ حقِّ الوالدينِ إلَّا أنَّ ضَبْطَ الواجبِ من الطَّاعةِ لهما، والْمُحَرَّمُ من الْعُقُوقِ لهما فيهِ عُسْرٌ، وَرُتَبُ الْعُقُوقِ مُخْتَلِفَةٌ.
قالَ شيخُنَا الإمامُ أبُو محمَّدِ بنُ عبدِ السلامِ: ولم أقفْ في عُقُوقِ الوالديْنِ، ولا فيمَا يَخْتَصَّانِ بهِ من الحقوقِ، على ضابطٍ أَعْتَمِدُ عليْهِ. فإنَّ مَا يَحْرُمُ في حقِّ الأجانبِ فهوَ حرامٌ في حقِّهِمَا، ومَا يجبُ للأجانبِ فهوَ واجبٌ لهُمَا. فلا يَجِبُ على الولدِ طَاعَتَهُمَا في كلِّ مَا يَأْمُرَانِ بهِ، ولا في كلِّ مَا يَنْهَيَانِ عنهَ باتِّفاقِ العلماءِ. وقد حُرِّمَ على الولدِ السَّفرُ إلى الجهادِ بغيرِ إذنِهِمَا، لِمَا يَشُقُّ عليهِمَا من تَوَقُّعِ قتلِهِ، أو قطعِ عضوٍ من أعضائِهِ، ولشدَّةِ تَفَجُّعِهِمَا على ذلكَ. وقد أُلْحِقَ بذلكَ كلُّ سفرٍ يخافَانِ فيهِ على نفسِهِ، أو على عضوٍ من أعضائِهِ. وقد ساوَى الوالدانِ الرَّقيقَ في النَّفقةِ والكسوةِ والسُّكْنَى. انتهَى كلامُهُ.
والفقهاءُ قد ذَكَرُوا صورًا جزئيَّةً، وتكلَّمُوا فيها منثورةً، لا يَحْصُلُ منهَا ضابط ٌ كليٌّ. فليسَ يَبْعُدُ أن يُسْلَكَ في ذلكَ مَا أشرْنَا إليهِ في الكبائرِ، وهوَ أنَّ تُقَاسَ المصالحُ في طرفِ الثبوتِ بالمصالحِ الَّتي وَجَبَتْ لأجلِهَا، والْمَفَاسِدُ في طرفِ الْعَدَمِ بِالمَفَاسِدِ الَّتي حُرِّمَتْ لأجلِهَا.
السَّادسةُ: اهتمامُهُ عليْهِ السَّلامُ بأمرِ شهادةِ الزُّورِ، أو قولِ الزُّورِ: يُحْتَمَلُ أنْ تكونَ؛ لِأَنَّهَا أسهلُ وُقُوعًا على الناسِ، والتَّهَاوُنُ بهَا أكثرُ. فَمَفْسَدَتُهَا أيْسَرُ وُقُوعًا، ألَا تَرَى أنَّ المذكورَ معهَا: هوَ الإشراكُ باللهِ؟ ولا يقعُ فيهِ مسلمٌ، وعُقُوقُ الوالديْنِ: وَالطَّبْعُ صارفٌ عنهُ. وأمَّا قولُهُ:"الزُّورِ"فإنَّ الحَوَامِلَ عليْهِ كثيرةٌ، كالعداوَةِ وغيرِهَا. فَاحْتِيجَ إلى الاهتمامِ بتعظِيمِهَا. وليسَ ذلكَ لِعِظَمِهَا بالنسبةِ إلى مَا ذُكِرَ معهَا، وهوَ الإشراكُ قطعًا"وقولُ الزُّورِ، وشَهَادةُ الزُّورِ"ينبغِي أنْ يُحْمَلَ قولُهُ:"الزُّورِ"على شهادةِ الزُّورِ، فإنَّا لو حَمَلْنَاهُ على الإطلاقِ: لَزِمَ أنْ تكونَ الْكِذْبَةُ الواحدةُ مُطْلَقًا كبيرةً، وليسَ كذلكَ. وقد نصَّ الفقهاءُ على أنَّ الْكِذْبَةَ الواحدةَ ومَا يُقَارِبُهَا لا تُسْقِطُ العدالةَ. ولو كانَتْ كبيرةً لَأُسْقِطَتْ، وقد نصَّ اللهُ تعالَى على عِظَمِ بعضِ الْكَذِبِ. فقالَ: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) "النساءِ:112"وَعِظَمُ الكَذِبِ ومراتبُهُ تتفاوتُ بِحَسْبِ تفاوتِ مَفَاسِدِهِ. وقد نصَّ في الحديثِ الصَّحيحِ على أنَّ الْغِيبَةَ والنَّمِيمَةَ كبيرةٌ، وَالْغِيبَةُ عندِي تختلفُ بِحَسْبِ المقولِ والمغتابِ بهِ، فَالْغِيبَةُ بِالْقَذْفِ كبيرةٌ، لإيجابِهَا الْحَدَّ. ولا تُسَاوِيهَا الْغِيبَةُ بِقُبْحِ الْخِلْقَةِ مثلًا، أو قُبْحِ بعضِ الهيئْةِ في اللِّباسِ مَثلًا. واللهُ أعلمُ.
378 -الحديثُ السَّادِسُ: عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمَا: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ قالَ: (( لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالِهِمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ) ).
الحديثُ دليلٌ على أنَّه لا يجوزُ الْحُكْمُ إلَّا بالقانونِ الشَّرعيِّ الَّذي رُتِّبَ. وإنْ غَلَبَ على الظَّنِّ صِدْقُ الْمُدَّعِي، ويَدُلُّ على أنَّ اليمينَ على الْمُدَّعَى عليهِ مُطْلَقًا.
وقد اختلَفَ الفقهاءُ في اشتراطِ أمرٍ آخَرَ في وجهِ اليمينِ على الْمُدَّعَى عليْهِ. وفى مذهبِ مالكٍ وأصحابِهِ تَصَرُّفَاتٌ بالتَّخصيصاتِ لهَذا العمومِ. خالفَهُمْ فيهَا غيرُهُمْ، منهَا: اعتبارُ الْخُلْطَةِ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عليهِ في اليمينِ، ومنهَا: أنَّ مَن ادَّعَى سببًا من أسبابِ الْقِصَاصِ: لم تَجِبْ بهِ اليمينُ، إلَّا أنْ يُقِيمَ على ذلكَ شاهدًا. فتَجِبُ اليمينُ، ومنهَا: إذَا ادَّعَى رجلٌ على امرأةٍ نِكَاحًا، لم يَجِبْ لهُ عليْهَا اليمينُ في ذلكَ.
قالَ سُحْنُونٌ منهُمْ: إلَّا أنْ يكونَا طَارِئَيْنِ، ومنهَا: أنَّ بعضَ الْأُمَنَاءِ -ممَّن يُجْعَلُ القولُ قولَهُ- لا يُوجِبُونَ عليهِ يمينًا. ومنهَا: دَعْوَى المرأةِ طلاقًا على الزَّوجِ. وكلُّ مَن خالفَهُمْ في شيءٍ من هذا يَسْتَدِلُّ بعمومِ هذا الحديثِ.