مُقَدَّمًا من حَيْثُ إِنَّهُ قَدْ تقعُ لَهُ قَرَائِنُ تُوَرِّثُهُ العلمَ بالمرادِ، وَلاَ يتَّفِقُ تعبيرُه عَنْهَا؟
293 -الحديثُ الحاديَ عشَرَ: عن أبي هريرةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لاَ يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُريرةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاللهِ لأَرْمِيَنَّ بها بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ ) ).
إِذَا طلبَ الجارُ إِعَارَةَ حائطِ جارِه ليضعَ عليها خشبةً، فَفِي وجوبِ الإِجابةِ قولانِ للشَّافعيِّ: أحدُهما: تَجِبُ الإِجابةُ، لظاهرِ الحديثِ، وَالثَّانِي - وَهُوَ الجديدُ - أَنَّهَا لاَ تَجِبُ، ويُحْمَلُ الحديثُ - إِذَا كَانَ بصيغةِ النهيِ - عَلَى الكراهةِ، وَعَلَى الاستحبابِ إِذَا كَانَ بصيغةِ الأمرِ.
وَفِي قولِه: (( مَا لي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ إِلَى آخرِه ) )مَا يُشْعِرُ بالوجوبِ، لِقَوْلِهِ: (( واللهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ ) )، وَهَذَا يقتضي التشديدَ والخوفَ والكراهةَ لهم.
294 -الحديثُ الثَّانِيَ عشَرَ: عن عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمٍَ قَالَ: (( مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الأَرْضِ، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ ) ).
فِي الحديثِ دليلٌ عَلَى تحريمِ الغصبِ، (( والقِيدُ ) )بمعنى القدْرِ، وقيَّدَه بالشبرِ للمبالغةِ، ولبيانِ أن مَا زادَ عَلَى مثلِه أَوْلَى مِنْهُ، و (( طُوِّقَهُ ) )أي: جُعِلَ طوقًا لَهُ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أن العقارَ يصحُّ غصبُه، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أن الأرضَ مُتَعَدِّدةٌ بسبعِ أرْضينَ، للفظِ المذكورِ فِيهِ، وأجابَ بعضُ مَن خالفَ ذَلِكَ بأن حمَلَ (( سبعَ أرضينَ ) )عَلَى سبعةِ الأقاليمِ، واللهُ أعلمُ.
295 -الحديثُ الأَوَّلُ: عن زيدِ بنِ خالدٍ الْجُهَنيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: (( سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ؟ فَقَالَ: اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنةً، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ، فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَأَدِّهَا إِلَيْهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ؟ فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؟ دَعْهَا؛ فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الماءَ، وَتَأْكلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا، وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ؟ فَقَالَ: خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلْذِّئْبِ ) ).
(( اللُّقَطَةُ ) )هِيَ المالُ المُلْتَقَطُ، وَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ الفقهاءُ كثيرًا بفتحِ القافِ، وقياسُ هَذَا أن يكونَ لِمَن يكثُرُ مِنْهُ الالتقاطُ، كالهُزَأَةِ، والضُّحَكةِ، وأمثالِه، و (( الوِكَاءُ ) )مَا يُرْبَطُ بِهِ الشيءُ، و (( العِفَاصُ ) )الوعاءُ الَّذِي تُجْعَلُ فِيْهِ النفَقَةُ، ثُمَّ يُرْبَطُ عَلَيْهِ، والأمرُ بمعرفةِ ذَلِكَ ليكونَ وسيلةً إِلَى معرفةِ المالِ، تَذْكِرَةً لما عَرَّفَه المُلْتَقِطُ.
وَفِي الحديثِ دليلٌ عَلَى وجوبِ التعريفِ سنةً، وإطلاقُه يَدْخُلُ فِيهِ القليلُ والكثيرُ، وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي تعريفِ القليلِ وَمُدَّةِ تعريفِه.
وقولُه: (( فإن لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا ) )، لَيْسَ الأمرُ فِيهِ عَلَى الوجوبِ، وإنما هُوَ للإِباحةِ.