البَحْثُ الرَّابعُ: قَد قدَّمنا أنَّ الأَوْصافَ الَّتِي يُمْكِنُ اعتبارُها لا تُلْغَى. فَلْيُنْظَر الأوصافَ المَذْكُورَةَ فِي الحديثِ، وما يمكنُ أنْ يُجْعَلَ مُعتبَرًا مِنْهَا ومَا لا. أمَّا وَصْفُ الرُّجُولِيَّةِ: فَحَيْثُ يُنْدَبُ لِلمَرْأةِ الخُرُوجُ إلى المسجدِ، يَنْبَغي أنْ تَتسَاوى معَ الرَّجلِ، لأنَّ وصْفَ الرُّجُولِيَّةِ بالنِّسبةِ إلى ثَوابِ الأَعْمَالِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا. وَأمَّا الوُضُوءُ فِي البيتِ: فَوصْفُ كَونِهِ فِي البيتِ غَيرَ دَاخِلٍ فِي التَّعلِيلِ. وأمَّا الوُضُوءُ: فمُعْتَبَرٌ للْمنَاسَبةِ، لَكِنْ هل المقْصودُ منهُ مُجرَّدُ كَونهِ طاهِرًا، أوْ فِعْلُ الطَّهَارةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ. وَيَتَرَجَّحُ الثَّاني بِأنَّ تجْدِيدَ الوضوءِ مُسْتَحبٌ، لَكِنَّ الأَظْهَرَ: أنَّ قولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إذا تَوضَّأَ ) )لا يَتَقيَّدُ بِالفِعلِ. وإنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الغَلَبَةِ، أو ضَرْبِ المِثالِ. وَأمَّا إِحْسانُ الوُضُوءِ: فَلا بُدَّ مِن اعْتِبَارِهِ. وَبِهِ يُسْتدلُّ عَلَى أنَّ المُرادَ فِعْلُ الطَّهارةِ. لَكِنْ يبْقى مَا قُلْناهُ: من خُرُوجِهِ مَخْرجَ الغَالِبِ، أو ضَرْبِ المِثَالِ. وأما خُرُوجُهُ إلى الصَّلاةِ: فَيُشْعِرُ بأنَّ الخروجَ لأجلِهَا. وقدْ وردَ مُصَرَّحًا بهِ فِي حديثٍ آخرَ (( لا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلاةُ ) )وهَذَا وصْفٌ مُعْتَبرٌ. وأما صَلاتُهُ معَ الجماعةِ: فبِالضَّرورةِ لابُدَّ مِن اعْتِبارِها. فإنَّها مَحَلُّ الحُكْمِ.
البَحْثُ الخَامسُ: الخُطْوةُ - بِضَمِّ الخاءِ - مَا بينَ قَدَمَيِ المَاشِي، وبِفَتْحِهَا: الْفَعْلَةُ. وفي هَذَا المَوْضِعِِ هِيَ مَفْتُوحةٌ، لأنَّ المُرَادَ فِعْلُ الْمَاشي.
60 -الحَديثُ الثالِثُ: عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أثْقَلُ الصَّلاَةِ عَلَى المنافِقِينَ: صَلاَةُ الْعِشَاءِ، وَصَلاَةُ الْفَجْرِ. وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا. وَلَقَد همَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَتُقَامَ، ثمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثمَّ أَنْطَلِقَ مَعِيَ بِرِجالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إلى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاَةَ، فأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ ) ).
الكلامُ عَلَيهِ مِن وجُوهٍ.
أحدُهَا: قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَثْقَلُ الصَّلاةِ ) )، مَحْمولٌ عَلَى الصلاةِ فِي جماعةٍ، وإنْ كانَ غيرَ مَذْكورٍ فِي اللَّفْظِ. لِدلالةِ السِّياقِ عليهِ. وقولُهُ عَلَيهِ السَّلامُ: (( لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ) )وَقَولُهُ: (( وَلَقد هَمَمْتُ ) )إِلَى قَولِهِ: (( لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ ) )كُلُّ ذلكَ مُشْعِرٌ بأنَّ المَقْصُودَ: حُضُورُهمْ إلى جماعةِ المَسْجِدِ.
الثَّانِي: إنَّمَا كانتْ هَاتَانِ الصَّلاتَانِ أثْقلَ عَلَى المنافِقينَ. لقُوَّةِ الدَّاعِي إلى تَرْكِ حُضُورِ الجَمَاعةِ فيهِمَا، وَقُوَّةِ الصَّارِفِ عَن الحُضورِ. أَمَّا العِشاءُ: فَلأَنَّهَا وقتُ الإيواءِ إلى البُيوتِ والاجتماعِ معَ الأهْلِ، واجتماعِ ظُلْمةِ الْلَيلِ، وطَلبِ الرَّاحةِ مِن مَتاعبِ السَّعْي بالنَّهارِ. وأمَّا الصُّبْحُ: فَلأنَّهَا فِي وقْتِ لَذَّةِ النَّومِ. فَإِنْ كَانت فِي زَمنِ البَرْدِ فَفِي وَقْتِ شِدَّتهِ، لِبُعدِ العَهْدِ بالشَّمسِ، لِطُولِ الْلَيلِ، وَإنْ كَانَتْ فِي زَمَنِ الحَرِّ: فهوَ وقْتُ البَرْدِ والرَّاحةِ مِن أثَرِ حَرِّ الشَّمْسِ لبُعدِ العَهْدِ بِهَا. فَلَمَّا قَوِيَ الصَّارفُ عَن الفِعْلِ ثَقُلتْ عَلَى المُنافقينَ. وأمَّا المُؤمِنُ الكَامِلُ الإيمانِ: فهوَ عالِمٌ بِزِيادَةِ الأجْرِ لزِيادةِ المَشقَّةِ. فتكونُ هذهِ الأمورُ داعيةً لَهُ إِلَى هَذَا الفِعْلِ، كَمَا كَانت صَارِفَةً للمُنَافقينَ. وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهمَا ) )أَي مِن الأجْرِ وَالثَّوابِ (( لأَتَوهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ) )وَهَذَا كَمَا قُلْنا: إنَّ هذهِ المشقَّاتِ تَكُونُ دَاعِيَةً للمُؤْمنِ إلى الفِعْلِ.
الثَّالِثُ: اخْتلفَ العُلماءُ فِي الجَمَاعةِ فِي غيْرِ الجُمُعةِ. فَقِيلَ: سُنَّةٌ. وَهُو قَوْلُ الأكثرينَ. وقِيلَ: فَرْضُ كِفَايةٍ , وَهُوَ قَولٌ فِي مَذْهبِ الشَّافِعِيِّ وَمالِكٍ. وقِيلَ: فَرْضٌ عَلَى الأعْيانِ.