فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 381

وجوبُ الحُضُورِ. وَوجُوبُ الحُضُورِ دليلًا عَلَى لازِمِهِ، وَهُو اشْتِرَاطُ الحُضورِ. فَذِكْرُ هَذَا الهَمِّ بَيَانٌ للاشْتِرَاطِ بِهَذِه الوَسِيلَةِ، وَلا يُشْتَرَطُ فِي البَيَانِ أنْ يَكُونَ نَصًّا، كَمَا قُلْنَا. إِلَّا أنَّهُ لا يتمُّ هَذَا إِلَّا بِبَيَانِ أنَّ مَا وَجَبَ فِي العِبَادَةِ كَان شَرْطًا فِيهَا، وقد قِيلَ: إنَّهُ الغَالِبُ. وَلَمَّا كَانَ الوُجُوبُ قَد يَنْفَكُّ عَن الشَّرْطِيةِ قَالَ أحْمَدُ - فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ: إنَّ الجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الأعْيَانِ، غَيْرُ شَرْطٍ.

وَمِمَّا أُجِيبَ بِهِ عن اسْتِدْلالِ المُوْجِبِينَ لِصَلاةِ الجماعةِ عَلَى الأَعيْانِ أنَّهُ اخْتُلِفَ فِي هَذِه الصَّلاةِ الَّتِي هَمَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالمُعَاقَبَةِ عَلَيْهَا. فقِيلَ: العِشَاءُ. وقِيلَ: الجُمُعَةُ. وقد وَرَدَتْ المُعَاقَبَةُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُفَسَّرَةٌ فِي الحَديثِ. وَفي بَعْضِ الرِّواياتِ (( العِشاءُ، أو الفَجْرُ ) )فَإذَا كَانَت هِي الجُمُعَةَ - وَالجَمَاعَةُ شَرْطٌ فيها - لَم يَتِمَّ الدَّليلُ عَلَى وُجُوبِ الجَمَاعَةِ مُطْلَقًا فِي غَيْرِ الجُمُعَةِ، وَهَذَا يَحْتَاجُ أنْ يُنْظَرَ فِي تِلكَ الأحَادِيثِ الَّتِي بُيِّنَتْ فِيهَا تِلكَ الصَّلاةُ أَهِي الجُمُعةُ، أو العِشاءُ، أو الفَجْرُ؟ فَإنْ كانَتْ أحَادِيثَ مُخْتَلِفَةً، قِيلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا. وَإنْ كَانَ حَديثًا وَاحِدًا اخْتََلفَتْ فِيهِ الطُّرُقُ، فَقَد يَتِمُ هَذَا الجَوابُ، إِنْ عُدِمَ التَّرْجِيحُ بَينَ بَعْضِ تِلكَ الرِّوَايَاتِ وَبعْضٍ، وَعُدِمَ إمْكانُ أنْ يكونَ الجَميعُ مَذْكُورًا. فَتَرَكَ بَعْضُ الرُّوَاةِ بَعْضَهُ ظَاهِرًا بِأنْ يُقالَ: إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ إِحْدَى الصَّلاتَيْنِ. أَعْنِي الجُمُعَةَ، أو العِشاءَ - مثَلًا - فَعَلَى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ هِي الجُمُعَةَ: لا يَتِمُّ الدَّلِيلُ. وَعَلى تَقْديرِ أَنْ تَكُونَ هِي العِشَاءَ: يَتِمُّ. وَإذَا تَرَدَّدَ الحَالُ وقَفَ الاسْتِدْلالُ.

ومِمَّا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ هُنَا: أنَّ هَذَا الوَعِيدَ بالتَّحْرِيقِ إذَا وَرَدَ فِي صَلاةٍ مُعَيَّنَةٍ - وَهِيَ العِشاءُ، أو الجُمُعَةُ، أو الفَجْرُ - فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الجَمَاعَةِ فِي هَذِه الصَّلَوَاتِ. فَمُقْتَضَى مذهبِ الظَّاهِرِيَّةِ: أنْ لا يَدُلَّ عَلَى وُجُوبِهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الصَّلَواتِ، عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، وَتَرْكِ اتِّبَاعِ المَعْنَى. اللَهُمَّ إِلَّا أنْ يُؤخَذَ قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أَنْ آمُرَ بالصَّلاةِ فَتُقَامَ ) )عَلَى عُمومِ الصَّلاةِ. فَحِينَئذٍ يُحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلى اعْتِبَارِ لَفْظِ ذَلِكَ الحَدِيثِ وَسِِياقِهِ، وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. فَيُحْمَلُ لَفْظُ (( الصَّلاةِ ) )عَلَيهِ إِنْ أُرِيدَ التَّحْقِيقُ وطلَبُ الحَقِّ. وَاللهُ أَعْلمُ.

الرَّابِعُ: قَولُهُ عَلَيْهِ الصلَاةُ والسَّلاَمُ: (( وَلَقَدْ هَمَمْتُ ) )إلخ. أُخِذَ منْهُ تَقْدِيمُ الوَعِيدِ وَالتَّهديدِ عَلَى العُقُوبَةِ. وَسِرُّهُ: أنَّ المَفْسَدَةَ إِذَا ارتَفَعَتْ بِالأَهْوَنِ مِن الزَّوَاجِرِ اكْتُفِيَ بِهِ مِنَ الأَعْلَى.

61 -الحَدِيثُ الرَّابِعُ: عَن عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَر َرَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمُ امْرَأَتُهُ إِلى المَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعُهَا ) ). قَالَ: فقَالَ بِلاَلُ بنُ عَبدِ اللهِ: واللهِ لَنَمْنَعَهُنَّ. قَالَ: فأَقْبَلَ عَلَيهِ عَبْدُ اللهِ، فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا، مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَقُولُ: وَاللهِ لَنَمْنَعَهُنَّ؟ ‍.

وَفِي لَفْظٍ: (( لا تَمْنعُوا إمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ ) ).

الحَديثُ صَرِيحٌ فِي النَّهْي عَن المَنْعِ للنِّسَاءِ عَن المَسَاجِدِ عِنْدَ الاسْتِئْذَانِ.

وَقَولُهُ فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: (( لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ ) )يُشْعِرُ أيضًا بِطَلَبِهِنَّ لِلخُرُوجِ فَإِنَّ المَانِعَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ وُجُودِ المُقْتَضِي. وَيَلْزَمُ مِن النَّهْي عَن مَنْعِهِنَّ من الخُرُوجِ إِبَاحَتُهُ لَهُنَّ. لأنَّهُ لو كَانَ مُمْتَنِعًا لَم يَنْهَ الرِّجَالَ عَن مَنْعِهِنَّ مِنْهُ. وَالحَديثُ عَامٌّ فِي النِّسَاءِ، وَلَكنَّ الفُقَهَاءَ قَد خَصُّوهُ بِشُرُوطٍ وَحَالاتٍ. مِنْهَا: أَنْ لا يَتَطَيَّبْنَ. وَهَذَا الشَّرْطُ مَذْكُورٌ فِي الحَدِيثِ. فَفِي بَعْضِ الرِّوَاياتِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت