فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 381

إطِلاقِ اسْمِ البَعْضِِ عَلَى الكُلِّ، كَمَا قَالُوا فِي الصَّلاةِ: إنَّ أَصْلَهَا الدُّعاءُ، ثم سُمِّيت العِبَادَةُ كُلُّها بذلكَ، لاشْتِمَالِهَا عَلَى الدُّعَاءِ، وَإِمَّا لأنَّ المُصَلِّيَ مُنَزِّهٌ للهِ عَزَّ وجلَّ بِإخَلاصِ العِبَادةِ لَهُ وحْدَهُ، وَ التَّسْبِيحُ التَّنْزِيهُ. فَيكونُ ذَلكَ مِن مَجَازِ المُلازَمَةِ. لأنَّ التَّنزِيهَ يَلْزَمُ مِن الصَّلاةِ المُخْلِصَةِ وَحْدَهُ.

الثَّانِي: الحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوازِ النَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَوَازِ صَلاتِهَا حَيثُ تَوَجَّهتْ بِالرَّاكِبِ رَاحِلتُهُ. وَكَأنَّ السَّبَبَ فِيهِ تَيْسِيرُ تَحْصِيلِ النَّوافِلِ عَلَى المُسَافرِ وَتَكْثيرُهَا. فَإنَّ مَا ضُيِّقَ طَرِيقُهُ قَلَّ , وَما اتَّسَعَ طَرِيقُهُ سَهُلَ. فَاقْتَضَتْ رَحْمَةُ اللهِ تعالى بِالعِبَادِ أنْ قَلَّلَ الفَرَائِضَ عَلَيهِمْ تسهيلًا للكُلْفَةِ. وَفَتَحَ لَهُمْ طَرِيقَةَ تَكْثِيرِ النَّوافِلِ تَعْظِيمًا للأُجُورِ.

الثَّالِثُ: قَولُهُ: حَيثُ كَانَ وَجْهُهُ , يُسْتَنْبَطُ مِنهُ ما قَالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: إنَّ جِهَةَ الطَّرِيقِ تَكُونُ بَدَلًا عَنِ القِبْلَةِ، حَتَّى لا يَنْحَرِفَ عَنْهَا لِغَيرِ حَاجَةِ المَسِيرِ.

الرَّابِعُ: الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الإيمَاءِ. وَمُطْلَقُهُ: يَقْتَضِي الإيمَاءَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجودِ. والفُقَهاءُ قَالُوا: يَكُونُ الإيمَاءُ للسُّجُودِ أخْفَضَ مِن الإيمَاءِِ للرُّكوعِ، لِيَكُونَ البَدَلُ عَلَى وَفْقِ الأَصْلِ. وليسَ فِي الحَديثِ ما يَدُلُّ عَلَيهِ ولا عَلَى ما يَنْفِيهِ. وَفِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّهُ لَم يَأتِ بِحَقِيقَةِ السُّجُودِ، إنْ حُمِلَ قَولُهُ (( يُومِئُ ) )عَلَى الإيماءِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَعًا.

الخَامِسُ: اسْتُدِلَّ بِإيتَارِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى البَعِيرِ عَلَى أنَّ الوِترَ ليسَ بِوَاجبٍ، بِنَاءً عَلَى مُقَدِّمَةٍ أَُخْرَى. وَهِيَ: أنَّ الفَرْضَ لا يُقَامُ عَلَى الرَّاحِلَةِ. وَأَنَّ الفَرضَ مُرَادِفٌ للواجِبِ.

السَّادِسُ: قَولُهُ: غَيْرَ أَنَّهُ لا يُصَلِّي عَلَيْهَا المَكْتُوبَةَ. قَد يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي أنَّ صَلاةَ الفَرْضِ لا تُؤدَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ. وَليسَ ذَلكَ بِقَوِيٍّ فِي الاسْتِدْلالِ. لأنَّهُ لَيسَ فِيهِ إِلَّا تَرْكُ الفِعْلِ المَخْصُوصِ. وَلَيسَ التَّرْكُ بِدَلِيلٍ عَلَى الامْتِنَاعِ. وكذا الكَلامُ فِي قَولِهِ: إلَّا الفَرَائضَ. فَإنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ هَذَا الفِعْلِ. وَتَرْكُ الفِعْلِ لا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِهِ كَمَا ذَكَرْنَا.

وقَدْ يُقَالُ: إنَّ دُخُولَ وقْتِ الفَريضَةِ مِمَّا يَكْثُرُ عَلَى المُسَافِرينَ، فَتَرْكُ الصَّلاةِ لَهَا عَلَى الرَّاحَلةِ دَائمًا، مَعَ فِعْلِ النَّوافِلِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، يُشْعِرُ بِالْفَرْقَيْنِ بَينَهُمَا فِي الجَوَازِ وَعَدَمِهِ، معَ ما يَتأَيَّدُ بِهِ مِن المَعْنَى. وهو أنَّ الصَّلواتِ المَفْرُوضَةَ قَلِيلَةٌ مَحْصُورَةٌ، لا يُؤدِّي النُّزولُ لَهَا إلى نُقْصَانِ المَطْلُوبِ. بِخِلافِ النَّوَافِلِ المُرْسَلَةِ. فَإنَّهَا لا حَصْرَ لَهَا، فَتَكَلُّفُ النُّزُولِ لَهَا يُؤدِّي إلى نُقْصَانِ المَطْلُوبِ مِن تَكْثِيرِهَا، مَعَ اشْتِغَالِ المُسَافِرِ. واللهُ أعلمُ.

69 -الحَدِيثُ الثَّانِي: عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَد أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْلَيلةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلةَ، فَاسْتقْبَلُوهَا. وَكانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ.

يَتَعَلَّقُ بهَذَا الحَديثِ مَسَائلُ أُصُولِيَّةٌ وَفُرُوعِيَّةٌ. نَذْكُرُ مِنْهَا مَا يَحْضُرُنَا الآنَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت