الثَّالثةُ: فيهِ حُجَّةٌ لمَن يشترطُ التَّسميَةَ على الإرسالِ. لأنَّه وَقَفَ الإذنَ في الأكلِ على التَّسميةِ. والْمُعَلَّقُ بالوصفِ يَنْتَفِي بِانْتِفَائِهِ عِنْدَ القائلِينَ بالمفهومِ. وفيهِ ههُنَا زيادةٌ على كونِهِ مفهومًا مُجَرَّدًا. وهوَ أنَّ الأصلَ تحريمُ أكلِ الْمَيْتَةِ. ومَا أخرجَ الإذنُ منهَا إلَّا مَا هوَ موصوفٌ بكونِهِ مُسَمًّى عليْهِ، فغيرُ الْمُسَمَّى عليْهِ يبقَى على أصلِ التَّحريمِ، داخلًا تَحْتَ النَّصِّ الْمُحَرِّمِ لِلْمَيْتَةِ.
الرَّابعةُ: الحديثُ يَدُلُّ على أنَّ المَصِيدَ بالكلبِ الْمُعَلَّمِ لا يتوقَّفُ على الذَّكَاةِ؛ لأنَّهُ فَرَّقَ بينَهُ وبينَ غيرِ الْمُعَلَّمِ في إدراكِ الذَّكَاةِ. فإذَا قَتَلَ الكلبُ الصَّيدَ بِظُفْرِهِ أو نَابِهِ حَلَّ. وإنْ قتلَهُ بِثِقْلِهِ، ففيهِ خلافٌ في مذهبِ الشَّافعيِّ. وقد يُؤْخَذُ من إطلاقِ الحديثِ جوازُ أكلِهِ. وفيهِ بعضُ الضَّعفِ. أعنِي أخْذَ الْحُكْمِ من هذا اللَّفظِ.
الخامسةُ: شَرَطَ عليهِ السَّلامُ في غيرِ الْمُعَلَّمِ إذا صادَ: أنْ تُدْرَكَ ذَكَاةُ الصَّيْدِ. وهذا الإدراكُ يتعلَّقُ بأمريْنِ:
أَحَدُهُمَا: الزَّمَنُ الَّذي يُمْكِنُ فيهِ الذَّبْحُ. فإنْ أَدْرَكَهُ ولم يُذْبَحْ فهوَ مَيْتَةٌ. ولو كانَ ذلكَ لأجلِ الْعَجْزِ عمَّا يُذْبَحُ بهِ: لم يُعْذَرْ في ذلكَ.
الثَّاني: الحياةُ المستقرَّةُ. كمَا ذكرَهُ الفقهاءُ. فإنْ أَدْرَكَهُ وقد أخرجَ حُشْوَتَهُ، أو أصابَ نابُهُ مَقْتَلًا، فلا اعتبارَ بالذَّكَاةِ حِينَئِذٍ، هذا على مَا قالَهُ الفقهاءُ.
391 -الحديثُ الثَّانِي: عن هَمَّامِ بنِ الحارثِ، عن عَدِيِّ بنِ حاتمٍ، قالَ: قلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أُرْسِلُ الكلابَ الْمُعَلَّمَةَ، فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ، وَأَذْكُرُ اسمَ اللهِ، فقالَ: (( إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ ) ). قُلْتُ: وإنْ قَتَلْنَ؟ قالَ: (( وَإِنْ قَتَلْنَ، مَا لم يَشْرَكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مِنْهَا ) ). قلْتُ: فإنِّي أرمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ، فَأُصِيبُ، فقالَ: (( إِذَا رميْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ ) )وحديثُ الشَّعْبِيِّ عن عَدِيِّ نحوَهُ، وفيهِ: (( إِلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ. فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ. وِإِنْ خَالَطَهَا كِلَابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ ) )وفيهِ (( إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُكَلَّبَ فَاذْكُر اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ. فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قُتِلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ؛ فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاتُهُ ) )وفيهِ أيضًا (( إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَاذْكُر اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ) )وفيهِ (( وَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ) )وفي روايةٍ (( الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي: المَاءُ قَتَلَهُ، أَوْ سَهْمُكَ؟ ) ).
فيهِ دليلٌ على اشْتراطِ التَّسْمِيَةِ، كمَا ذَكَرْنَاهُ في الحديثِ السَّابقِ. وهوَ أقوَى في الدِّلَالَةِ من الأوَّلِ. لِأَنَّ هذا مفهومُ شرطٍ. والأوَّلَ مفهومُ وَصْفٍ. ومفهومُ الشَّرطِ أقوَى من مفهومِ الوصفِ.
وفيهِ تصريحٌ بأكلِ مَصِيدِ الكلبِ إذا قُتِلَ، بخلافِ الحديثِ الماضِي. فإنَّه إنَّما يُؤْخَذُ هذا الْحُكْمُ منهُ بطريقِ المفهومِ. وهذا الحديثُ يَدُلُّ على أَكْلِ مَا قتلَهُ الكلبُ بِثِقْلِهِ، بخلافِ الدلالةِ الماضيةِ الَّتي اسْتَضْعَفْنَاهَا في الحديثِ الْمُتَقَدِّمِ.
وفيهِ دليلٌ على أنَّه إذا شاركَ الكلبَ كلبٌ آخرُ: لم يُؤْكَلْ. وقد وَرَدَ مُعَلَّلًا في حديثٍ آخرَ"فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبِ غَيْرِكَ".
و"الْمِعَرَاضُ"بكسرِ الميمِ وسكونِ العينِ الْمُهْمَلَةِ وبالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وبعدَ الألفِ ضادٌ مُعْجَمَةٌ: عصًا رأسُهَا مُحَدَّدٌ. فإنْ أصابَ بِحَدِّهِ أُكِلَ؛ لأنَّه كالسَّهمِ. وإن أصابَ بِعَرْضِهِ لم يُؤْكَلْ. وقد عُلِّلَ في الحديثِ بأنَّهُ وَقِيذٌ. وذلكَ؛ لأنَّه ليسَ في معنَى السَّهمِ. وهوَ في معنَى الْحَجَرِ وغيرِهِ من الْمُثْقَلَاتِ.
و"الشَّعْبِيُّ"بفتحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وسكونِ العينِ الْمُهْمَلَةِ: اسمُهُ عامرُ بنُ شَراحِيلَ من شِعْبِ هَمْدَانَ.
وإذا أكلَ الكلبُ من الصَّيْدِ ففيهِ قولانِ للشَّافعيِّ.