لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، مِن الشَّكِّ فِي سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ، إِلَّا أَنَّ هَذَا القَولَ أَضْعَفُ قَلِيلًا مِن الأَوَّلِ، لِأَنَّ صِحَّةَ العَمَلِ ظَاهِرًا، وَانْعِقَادَ الصَّلَاةِ سَبَبٌ مَانِعٌ مُنَاسِبٌ لِاطِّرَاحِ الشَّكِّ، وَأَمَّا كَونُ السَّبَبِ نَاجِزًا، فَإِمَّا غَيْرُ مُنَاسِبٍ أَوْ مُنَاسِبٌ مُنَاسَبَةً ضَعِيفَةً.
وَالَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُقَرَّرَ بِهِ قَولُ هَذَا القَائِلِ أَنْ يَرى أَنَّ الأَصْلَ الأَوَّلَ - وَهُو تَرَتُّبُ الصَّلَاةِ فِي ذِمَّتِهِ - مَعْمُولٌ بِهِ، فَلَا يَخْرُجُ عَنْهَ إِلَّا بِمَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُ، وَمَا بَقِيَ يُعْمَلُ فِيهِ بِالأَصْلِ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي المَحَلِ الَّذِي خَرَجَ عَن الأَصْلِ بِالنَّصِ إِلَى مُنَاسَبَةٍ، كَمَا فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ عَمِلَ فِيهَا العُلَمَاءُ هَذَا العَمَلَ، أَعْنِي أَنَّهُم اقْتَصَرُوا عَلَى مَوْرِدِ النَّصِ إِذَا خَرَجَ عَن الأَصْلِ أَو القِيَاسِ، مِن غَيْرِ اعْتِبَارِ مُنَاسَبَةٍ، وَسَبَبُهُ أَنَّ إِعْمَالَ النَّصِ فِي مَورِدِهِ لَابُدَّ مِنْهُ، وَالعَمَلُ بِالأَصْلِ أو القِيَاسِ المُطْرِدِ مُسْتَرْسِلٌ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إِلَّا بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ فِيمَا زَادَ عَلَى مَورِدِ النَّصِّ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى إبْطَالِ النَّصِ فِي مَوْرِدِهِ، سَواءٌ كَانَ مُنَاسِبًا أَو لا، وَهَذَا يُحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى إِلْغَاءِ وَصْفِ كَونِهِ فِي صَلَاةٍ، وَيُمْكِنُ هَذَا القائلَ مَنْعُ ذَلِكَ بِوَجْهَينِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ هَذَا القَائِلُ نَظَرَ إِلَى مَا فِي بَعْضِ الرِّوايَاتِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الشَّكُ لِمَن هُوَ فِي المَسْجِدِ، وَكَونُهُ فِي المَسْجِدِ أَعَمُّ مِن كَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ، فَيُؤخَذُ مِن هَذَا إِلْغَاءُ ذَلِكَ القَيْدِ الَّذِي اعْتَبَرَهُ القَائِلُ الآخَرُ، وَهُوَ كَوْنُهُ فِي الصَّلَاةِ، وَيَبْقَى كَوْنُهُ شَاكًّا فِي سَبَبٍ نَاجِزٍ، إِلَّا أنَّ القَائِلَ الأَوَّلَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ كَونَه فِي المَسْجِدِ عَلَى كَونِهِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الحُضُورَ فِي المَسْجِدِ يُرَادُ لِلصَّلَاةِ، فَقَدْ يُلَازِمُهَا فَيُعَبَّرُ بِهِ عَنْهَا، وَهَذَا - وَإِنْ كَانَ مَجَازًا - إِلَّا أَنَّهُ يَقْوَى إِذَا اعْتُبِرَ الحَدِيثُ الأَوَّلُ، وَكَانَ حَدِيثًا وَاحِدًا مَخْرَجُهُ مِن جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ الاخْتِلَافُ اخْتِلَافًا فِي عِبَارَةِ الرَّاوِي بِتَفْسِيرِ أَحَدِ اللَّفْظَينِ بِالآخَرِ، وَيَرْجِعُ إِلَى أنَّ المُرَادَ كَونُهُ فِي الصَّلَاةِ.
الثَّانِي - وَهُوَ أَقْوَى مِن الأَوَّلِ-: مَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ: (( إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفُخُ بَيْنَ إليَتَيِ الرَّجُلِ ) )، وَهَذَا المَعْنَى يَقْتَضِي مُنَاسَبَةَ السَّبَبِ الحَاضِرِ لإِلْغَاءِ الشَّكِّ. وَإِنَّمَا أَوْرَدَنَا هَذِهِ المَبَاحِثَ لِِيَتَلَمَّحَ النَّاظِرُ مَأْخَذَ العُلَمَاءِ فِي أَقْوَالِهِمْ، فَيَرَى مَا يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ فَيُرَجِّحَهُ، وَمَا يَنْبَغِي إِلْغَاؤهُ فَيَلْغِيهِ. وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ أَلْغَى القَيْدَينِ مَعًا - أَعْنِي كَونَهُ فِي الصَّلَاةِ، وَكَونَهُ فِي سَبَبِ نَاجِزٍ - وَاعْتَبَرَ أَصْلَ الطَّهارةِ.
25 -الحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ الأَسَدِيَّةِ، أَنَّهَا أَتَتْ بَابْنٍ لَهَا صَغْيِرٍ، لَمْ يَأْكُل الْطَّعَامَ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأجْلَسَهُ فِي حِجْرِه، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ.
26 -وَعَن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِصَبِيٍّ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ.
وَلِمُسْلِمٍ: فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ.
الكَلَامُ عَلَيْهِ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي بَولِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَطْعَم الطَّعَامَ فِي مَوْضِعَينِ: أَحَدُهُمَا: فِي طَهَارَتِهِ أَو نَجَاسَتِهِ، وَلَا تَردُّدَ فِي قَولِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ فِي أَنَّهُ نَجَسٌ، وَالقَائِلُونَ بِالنَّجَاسَةِ اخْتَلَفُوا فِي تَطْهِيرِهِ، هَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى الغَسْلِ أَمْ لا؟ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَتَوقَّفُ عَلَى الغَسْلِ، بَلْ يَكْفِي فِيهِ الرَّشُّ وَالنَّضْحُ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى غَسْلِهِ كَغَيْرِهِ، وَالحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي الاكْتِفَاءِ