فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 381

وَقَدْ ذكرُوا فيه اعتذاراتٍ، فِي بعضهَا ضعفٌ، ومِن مشهورِها أنَّ هَذَا مخصوصٌ بِهَذَا الرَّجلِ المعيَّنِ، وَهُوَ سُليكٌ الغطفانيُّ - عَلَى مَا وردَ مصرَّحًا بِهِ فِي روايةٍ أخرَى، وَإِنَّمَا خُصَّ بِذَلِكَ - عَلَى مَا أشارُوا إِلَيْهِ - لأنه كَانَ فقيرًا، فأُريدَ قيامُه لتستشرِفَهُ العيونُ ويُتَصدَّقُ عَلَيْهِ. وربَّما يتأيَّدُ هَذَا بأنهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمَرهُ بأنْ يقومَ للرَّكعتينِ بعدَ جلوسِه، وَقَدْ قالُوا: إنَّ ركعتِي التَّحيَّةِ تفوتُ بالجُلوسِ، وَقَدْ عُرِفَ أنَّ التَّخصيصَ عَلَى خلافِ الأصلِ، ثُمَّ يبعدُ الحملُ عَلَيْهِ مَعَ صيغةِ العمومِ، وَهُوَ قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا جاءَ أحدُكمْ يومَ الجمعةِ والإِمامُ يخطبُ ) )، فَهَذَا تعميمٌ يزيلُ توهُّمَ الخُصوصِ بِهَذَا الرَّجلِ، وَقَدْ تأوَّلُوا هَذَا العمومَ أَيْضًا بتأويلٍ مستكرهٍ.

وأقوَى مِن هَذَا العذرِ مَا وردَ: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سكتَ حتى فرغَ مِنَ الرَّكعتينِ، فحينئذٍ يكونُ المانعُ من عدمِ الرُّكوعِ منتفيًا، فثبتَ الرُّكوعُ، وَعَلَى هَذَا أَيْضًا تُردُّ الصيغةُ التي فيها العُمومُ.

138 -الحديثُ الرَّابعُ: عن جابرٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بجلوسٍ.

الخطبتانِ واجبتانِ عندَ الجمهورِ مِن الفقهاءِ، فإن استدلَّ بفعلِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهمَا مَعَ قولِه: (( صلُّوا كَمَا رأيتمونِي أُصلِّي ) )، فَفِي ذَلِكَ نظرٌ يتوقَّفُ عَلَى أنْ يكونَ إقامةُ الخُطبتينِ داخلًا تحتَ كيفيةِ الصَّلاةِ، فإنهُ إنْ لمْ يكنْ كَذَلِكَ كَانَ استدلالُه بمجرَّدِ الفعلِ.

وَفِي الحديثِ دليلٌ عَلَى الجُلوسِ بَيْنَ الخُطبتينِ، وَلاَ خلافَ فيه، وَقَدْ قِيلَ بركنيَّتهِ، وَهُوَ منقولٌ عن أصحابِ الشافعيِّ.

وَهَذَا اللفظُ - الَّذِي ذكرهُ المصنِّفُ لم أقفْ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الصِّيغةِ فِي الصَّحيحينِ، فمنْ أرادَ تصحيحَه فَعَلَيْهِ إبرازُهُ، واللهُ أعلمُ.

139 -الحديثُ الخامسُ: عن أبِي هريرةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ ) ).

يقالُ: لَغَا، يَلْغُو، ولَغَى يَلْغَى، واللَّغْوُ واللَّغَا، قِيلَ: هُوَ رديءُ الكلامِ، وَمَا لاَ خيرَ فيه، وَقَدْ يُطلقُ عَلَى الخيبةِ أَيْضًا.

والحديثُ دليلٌ عَلَى طلبِ الإِنصاتِ فِي الخطبةِ، والشافعيُّ يرَى وجوبهُ فِي حقِّ الأربعينَ، وفيمنْ عداهُمْ قولانِ، هَذِهِ الطريقةُ المختارةُ عندنَا.

واختلفَ الفقهاءُ أَيْضًا فِي إنصاتِ مَن لاَ يَسمعُ الخطبةَ، وَقَدْ يُستدلُّ بِهَذَا الحديثِ عَلَى إنصاتِه لكونهِ علَّقهُ بكونِ الإِمامِ يخطُبُ، وَهَذَا عامٌّ بالنسبةِ إِلَى سماعهِ وعدمِ سماعهِ.

واستدلَّ بِهِ المالكيَّةُ - كَمَا قدَّمنَا - عَلَى عدَمِ تحيَّةِ المسجدِ، مِن حَيْثُ إنَّ الأمرَ بالإِنصاتِ أمرٌ بمعروفٍ وأصلُه الوجوبُ، فَإِذَا منعَ مِنْهُ - مَعَ قلَّةِ زمانهِ، وقلةِ إشغالهِ - فلأنْ يمنعَ الرَّكعتينِ - مَعَ كونِهمَا سُنَّةً وطولِ الاشتغالِ وطولِ الزمانِ بهمَا - أَوْلَى، وَهَذَا قَدْ تقدَّمَ، واللهُ أعلمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت